المسألة الثالثة : أن بني إسرائيل كانوا اثنى عشر سبطاً، فاختار الله تعالى من كل سبط رجلاً يكون نقيباً لهم وحاكماً فيهم. وقال مجاهد والكلبي والسدي : أن النقباء بعثوا إلى مدينة الجبارين الذين أمر موسى عليه السلام بالقتال معهم ليقفوا على أحوالهم ويرجعوا بذلك إلى نبيهم موسى عليه السلام أن يحدثوهم، فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوفنا من سبط يهوذا، ويوشع بن نون من سبط إفراثيم بن يوسف، وهما اللذان قال الله تعالى فيهما ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ (المائدة : ٢٣) الآية.
قوله تعالى :﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّى مَعَكُم لئن أَقَمْتُمُ الصَّلَواةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَواةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لاكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّـاَاتِكُمْ وَلادْخِلَنَّكُمْ جَنَّـاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانْهَـارُ ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في الآية حذف، والتقدير : وقال الله لهم إني معكم، إلا أنه حذف ذلك لاتصال الكلام بذكرهم.
المسألة الثانية : قوله ﴿إِنِّى مَعَكُمْ ﴾ خطاب لمن ؟
فيه قولان : الأول : أنه خطاب للنقباء، أي وقال الله للنقباء إني معكم. والثاني : أنه خطاب لكل بني إسرائيل، وكلاهما محتمل إلا أن الأول أولى. لأن الضمير يكون عائداً إلى أقرب المذكورات، وأقرب المذكور هنا النقباء والله أعلم.
المسألة الثالثة : أن الكلام قد تم عند قوله ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ ﴾ والمعنى إني معكم بالعلم والقدرة فأسمع كلامكم وأرى أفعالكم وأعلم ضمائركم وأقدر على إيصال الجزاء إليكم، فقوله ﴿إِنِّى مَعَكُمْ ﴾ مقدمة معتبرة جداً في الترغيب والترهيب، ثم لما وضع الله تعالى هذه المقدمة الكلية ذكر بعدها جملة شرطية، والشرط فيها مركب من أمور خمسة، وهي قوله ﴿ لئن أَقَمْتُمُ الصَّلَواةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَواةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ والجزاء هو قوله ﴿لاكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ﴾ وذلك إشارة إلى إزالة العقاب. وقوله ﴿لَهُمْ جَنَّـاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانْهَـارُ﴾ وهو إشارة إلى إيصال الثواب، وفي الآية سؤالات :
جزء : ١١ رقم الصفحة : ٣٢٢
السؤال الأول : لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه مقدم عليها ؟
والجواب : أن اليهود كانوا مقرين بأنه لا بدّ في حصول النجاة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسلد فذكر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لا بدّ من الإيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود، وإلا لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون الإيمان بجميع الرسل.
والسؤال الثاني : ما معنى التعزيز ؟
الجواب : قال الزجاج : العزز في اللغة الرد، وتأويل عززت فلاناً، أي فعلت به ما يرده عن القبيح ويزجره عنه، ولهذا قال الأكثرون : معنى قوله ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أي نصرتموهم، وذلك لأن من نصر إنساناً فقد رد عنه أعداءه. قال : ولو كان التعزيز هو التوقير لكان قوله ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ (الفتح : ٩) تكراراً.
والسؤال الثالث : قوله ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ دخل تحت إيتاء الزكاة، فما الفائدة في الإعادة ؟
والجواب : المراد بإيتاء الزكاة الواجبات. وبهذا الاقراض الصدقات المندوبة، وخصها بالذكر تنبيهاً على شرفها وعلو مرتبتها. قال الفرّاء : ولو قال : وأقرضتم الله إقراضاً حسناً لكان صواباً أيضاً إلا أنه قد يقام الإسم مقام المصدر، ومثله قوله ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ (آل عمران : ٣٧) ولم يقل يتقبل، وقوله ﴿وَأَنابَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ ولم يقل إنباتاً.
ثم قال تعالى :﴿فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَالِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ أي أخطأ الطريق المستقيم الذي هو الدين الذي شرعه الله تعالى لهم.
فإن قيل : من كفر قبل ذلك أيضاً فقد ضل سواء السبيل.
قلنا : أجل، ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم لأن الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة المكفورة، فإذا زادت النعمة زاد قبح الكفر وبلغ النهاية القصوى.
جزء : ١١ رقم الصفحة : ٣٢٢
٣٢٤
ثم قال تعالى :﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـاقَهُمْ لَعَنَّـاهُمْ﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في نقضهم الميثاق وجوه : الأول : بتكذيب الرسل وقتل الأنبياء. الثاني : بكتمانهم صفة محمد صلى الله عليه وسلّم. الثالث : مجموع هذه الأمور.
المسألة الثانية : في تفسير "اللعن" وجوه : الأول : قال عطاء : لعناهم أي أخر جناهم من رحمتنا. الثاني : قال الحسن ومقاتل : مسخناهم حتى صاروا قردة وخنازير. قال ابن عباس ضربنا الجزية عليهم. ثم قال تعالى :﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةًا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِه ﴾ وفيه مسائل :