الفائدة الرابعة : من فوائد هذا الخبر أن آيات الفاتحة سبع، والأعمال المحسوسة أيضاً في الصلاة سبعة، وهي : القيام، والركوع، والانتصاب، والسجود الأول، والانتصاب فيه، والسجود الثاني والقعدة، فصار عدد آيات الفاتحة مساوياً لعدد هذه الأعمال، فصارت هذه الأعمال كالشخص، والفاتحة لها كالروح، والكمال إنما يحصل عند اتصال الروح بالجسد، فقوله :﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـن ِ الرَّحِيمِ﴾ بإزاء القيام، ألا ترى أن الباء في بسم الله لما اتصل باسم الله بقي قائماً مرتفعاً، وأيضاً فالتسمية لبداية الأمور، قال عليه الصلاة والسلام :"كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر" وقال تعالى :﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّه فَصَلَّى ﴾ (الأعلى : ١٤) وأيضاً القيام لبداية الأعمال، فحصلت المناسبة بين التسمية وبين القيام من هذه الوجوه، وقوله تعالى :﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَـالَمِينَ﴾ بإزاء الركوع، وذلك لأن العبد في مقام التحميد ناظر إلى الحق وإلى الخلق ؛ لأن التحميد عبارة عن الثناء عليه بسب الأنعام الصادر منه، والعبد في هذا المقام ناظر إلى المنعم وإلى النعمة، فهو حالة متوسطة بين الأعراض وبين الاستغراق، والركوع حالة متوسطة بين القيام وبين السجود وأيضاً، الحمد يدل على النعم الكثيرة، والنعم الكثيرة مما تثقل ظهره، فينحني ظهره للركوع وقوله :﴿ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ﴾ مناسب للانتصاب لأن العبد لما تضرع إلى الله في الركوع فيليق برحمته أن يرده إلى الانتصاب، ولذلك قال عليه السلام :"إذا قال العبد سمع الله لمن حمده نظر الله إليه بالرحمة" وقوله :﴿مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ مناسب للسجدة الأولى : لأن قولك مالك يوم الدين يدل على كمال القهر والجلال والكبرياء، وذلك يوجب الخوف الشديد، فيليق به الإتيان بغاية الخضوع والخشوع، وهو السجدة ؛ وقوله :﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مناسب للقعدة بين السجدتين، لأن قوله إياك نعبد إخبار عن السجدة التي تقدمت، وقوله وإياك نستعين استعانة بالله في أن يوفقه للسجدة الثانية. وأما قوله :﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فهو سؤال لأهم الأشياء فيليق به السجدة الثانية الدالة على نهاية الخضوع. وأما قوله :﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ / إلى آخره فهو مناسب للقعدة، وذلك لأن العبد لما أتى بغاية التواضع قابل الله تواضعه بالإكرام، وهو أن أمره بالقعود بين يديه، وذلك إنعام عظيم من الله على العبد، فهو شديد المناسبة لقوله أنعمت عليهم، وأيضاً أن محمداً عليه السلام لما أنعم الله عليه بأن رفعه إلى قاب قوسين قال عند ذلك :"التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، والصلاة معراج المؤمن، فلما وصل المؤمن في معراجه إلى غاية الإكرام ـ وهي أن جلس بين يدي الله ـ وجب أن يقرأ الكلمات التي ذكرها محمد عليه السلام، فهو أيضاً يقرأ التحيات، ويصير هذا كالتنبيه على أن هذا المعراج الذي حصل له شعلة من شمس معراج محمد عليه السلام وقطرة من بحره وهو تحقيق قوله :﴿فَ أولئك مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّانَ﴾ (النساء : ٦٩) ـ الآية.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
واعلم أن آيات الفاتحة وهي سبع صارت كالروح لهذه الأعمال السبعة، وهذه الأعمال السبعة صارت كالروح للمراتب السبعة المذكورة في خلقة الإنسان، وهي قوله :﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الانسَـانَ مِن سُلَـالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ (المؤمنون : ١٢) إلى قوله :﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَـالِقِينَ﴾ (المؤمنون : ١٤) وعند هذا ينكشف أن مراتب الأجساد كثيرة، ومراتب الأرواح كثيرة، وروح الأرواح ونور الأنوار هو الله تعالى، كما قال سبحانه وتعالى :﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى ﴾ (النجم : ٤٢).
الفصل الخامس
في أن الصلاة معراج العارفين
الصلاة معراج العارفين :