الوجه الرابع : أن يكون المعنى الله أكبر من أن يقدر الخلق على قضاء حق عبوديته، فطاعاتهم قاصرة عن خدمته، وثنائهم قاصر عن كبريائه، وعلومهم قاصرة عن كنه صمديته.
واعلم أيها العبد أنك لو بلغت إلى أن يحيط عقلك بجميع عجائب عالم الأجسام والأرواح فإياك أن تحدثك نفسك بأنك بلغت مبادىء ميادين جلال الله فضلاً عن أن تبلغ الغور والمنتهى ونعم ما قال الشاعر : ـ
فأساميا لم تزده معرفة
وإنما لذة ذكرناها
ومن دعوات رسول الله عليه السلام وثنائه على الله :"لا ينالك غوص الفكر، ولا ينتهي إليك نظر ناظر، ارتفعت عن صفة المخلوقين صفات قدرتك، وعلا عن ذلك كبرياء عظمتك وإذا قلت الله أكبر فاجعل عين عقلك في آفاق جلال الله وقل :"سبحانك اللهم وبحمدك، ثم قل : وجهت وجهي، ثم انتقل منها إلى عالم الأمر والتكليف واجعل سورة الفاتحة مرآة لك تبصر فيها عجائب عالم الدنيا والآخرة، وتطالع فيها أنوار أسماء الله الحسنى وصفاته العليا والأديان / السالفة والمذاهب الماضية، وأسرار الكتب الإلهية والشرائع النبوية، وتصل إلى الشريعة، ومنها إلى الطريقة، ومنها إلى الحقيقة، وتطالع درجات الأنبياء والمرسلين، ودركات الملعونين والمردودين والضالين، فإذا قلت بسم الله الرحمن الرحيم فابصر به الدنيا إذ باسمه قامت السموات والأرضون وإذا قلت الحمد لله رب العالمين أبصرت به الآخرة إذ بكلمة الحمد قامت الآخرة كما قال :﴿دَعْوَاـاهُمْ فِيهَا سُبْحَـاـنَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـامٌ ﴾ (يونس : ١٠) وإذا قلت الرحمن الرحيم فابصر به عالم الجمال، وهو الرحمة والفضل والإحسان، وإذا قلت مالك يوم الدين فأبصر به عالم الجلال وما يحصل فيه من الأحوال والأهوال، وإذا قلت إياك نعبد فأبصر به عالم الشريعة، وإذا قلت وإياك نستعين فابصر به الطريقة، وإذا قلت اهدنا الصراط المستقيم فابصر به الحقيقة، وإذا قلت صراط الذين أنعمت عليهم فابصر به درجات أرباب السعادات وأصحاب الكرامات من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وإذا قلت غير المغضوب عليهم فابصر به مراتب فساق أهل الآفاق، وإذا قلت ولا الضالين فابصر به دركات أهل الكفر والشقاق والخزي والنفاق على كثرة درجاتها وتباين أطرافها وأكنافها.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
ثم إذا انكشفت لك هذه الأحوال العالية والمراتب السامية فلا تظنن أنك بلغت الغور والغية، بل عد إلى الإقرار للحق بالكبرياء، ولنفسك بالذلة والمسكنة، وقل : الله أكبر، ثم أنزل من صفة الكبرياء إلى صفة العظمة، فقل : سبحان ربي العظيم، وإن أردت أن تعرف ذرة من صفة العظمة فاعرف أنا بينا أن العظمة صفة العرش، ولا يبلغ مخلوق بعقله كنه عظمة العرش وإن بقي إلى آخر أيام العالم، ثم اعرف أن عظمة العرش في مقابلة عظمة الله كالقطرة في البحر فكيف يمكنك أن تصل إلى كنه عظمة الله ؟
ثم ههنا سر عجيب وهو أنه ما جاء سبحان ربي الأعظم وإنما جاء سبحان ربي العظيم، وما جاء سبحان ربي العالي وإنما جاء سبحان ربي الأعلى، ولهذا التفاوت أسرار عجيبة لا يجوز ذكرها، فإذا ركعت وقلت سبحان ربي العظيم فعد إلى القيام ثانياً، وادع لمن وقف موقفك وحمد حمدك وقل : سمع الله لمن حمده، فإنك إذا سألتها لغيرك وجدتها لنفسك وهو المراد من قوله عليه السلام :"لا يزال الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم".
قال قيل : ما السبب في أنه لم يحصل في هذا المقام التكبير ؟
قلنا : لأن التكبير مأخوذ من الكبرياء وهو مقام الهيبة والخوف، وهذا المقام مقام الشفاعة، وهما متباينان.
ثم إذا فرغت من هذه الشفاعة فعد إلى التكبير وانحدر به إلى صفة العلو وقل سبحان ربي / الأعلى، وذلك لأن السجود أكثر تواضعاً من الركوع، لا جرم الذكر المذكور في السجود هو بناء المبالغة ـ وهو الأعلى ـ والذكر المذكور في الركوع هو لفظ العظيم من غير بناء المبالغة، روي أن لله تعالى ملكاً تحت العرش اسمه حزقيل أوحى الله إليه : أيها الملك، طر فطار مقدار ثلاثين ألف سنة ثم ثلاثين ثم ثلاثين فلم يبلغ من أحد طرفي العرش إلى الثاني، فأوحى الله إليه لو طرت إلى نفخ الصور لم تبلغ الطرف الثاني من العرش، فقال الملك عند ذلك : سبحان ربي الأعلى.