النكتة الثالثة : قال عليه السلام بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، فشهادة أن لا إله إلا الله حاصلة من تجلى نور اسم الله، وإقام الصلاة من تجلى اسم الرب ؛ لأن الرب مشتق من التربية والعبد يربي إيمانه بمدد الصلاة، وإيتاء الزكاة من تجلى اسم الرحمن، لأن الرحمن مبالغة في الرحمة، وإيتاء الزكاة لأجل الرحمة على الفقراء، ووجوب صوم رمضان من تجلى اسم الرحيم ؛ لأن الصائم إذا جاع تذكر جوع الفقراء فيعطيهم ما يحتاجون إليه، وأيضاً إذا جاع حصل له فطام عن الالتذاذ بالمحسوسات فعند الموت يسهل عليه مفارقتها، ووجوب الحج من تجلى اسم مالك يوم الدين ؛ لأن عند الحج يجب هجرة الوطن ومفارقة الأهل والولد، وذلك يشبه سفر يوم القيامة، وأيضاً الحاج يصير حافياً حاسراً عارياً وهو يشبه حال أهل القيامة وبالجملة فالنسبة بين الحج وبين أحوال القيامة، كثيرة جداً.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
النكتة الرابعة : أنواع القبلة خمسة : بيت المقدس، والكعبة، والبيت المعمور، والعرش وحضرة جلال الله : فوزع هذه الأسماء الخمسة على الأنواع الخمسة من القبلة.
النكتة الخامسة : الحواس خمس : أدب البصر بقوله :﴿فَاعْتَبِرُوا يَـا أُوْلِى الابْصَـارِ﴾ (الحشر : ٢) والسمع بقوله :﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه ا ﴾ (الزمر : ١٨) والذوق بقوله :﴿ يَـا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَـاتِ وَاعْمَلُوا صَـالِحًا ﴾ (المؤمنون : ٥١) والشم بقوله :﴿إِنِّى لاجِدُ رِيحَ يُوسُفَا لَوْلا أَن تُفَنِّدُونِ﴾ (يوسف : ٩٤) واللمس بقوله :﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـافِظُونَ﴾ (المعارج : ٢٩، المؤمنون : ٥) فاستعن بأنوار هذه الأسماء الخمسة على دفع مضار هذه الأعداء الخمسة.
النكتة السادسة : اعلم أن الشطر الأول : من الفاتحة مشتمل على الأسماء الخمسة فتفيض الأنوار على الأسرار، والشطر الثاني : منها مشتمل على الصفات الخمسة لعبد فتصعد منها أسرار إلى مصاعد تلك الأنوار، وبسبب هاتين الحالتين يحصل للعبد معراج في صلاته : فالأول : هو النزول، والثاني : هو الصعود، والحد المشترك بين القسمين هو الحد الفاصل بين قوله :﴿مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وبين قوله :﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وتقرير هذا الكلام أن حاجة العبد إما في طلب الدنيا وهو قسمان : إما دفع الضرر، أو جلب النفع، وإما في طلب الآخرة، وهو أيضاً قسمان : دفع الضرر وهو الهرب من النار ؛ وطلب الخير وهو طلب الجنة، فالمجموع أربعة، والقسم الخامس ـ وهو الأشرف ـ طلب خدمة الله وطاعته وعبوديته لما هو هو لا لأجل رغبة ولا لأجل رهبة، فإن شاهدت نور اسم الله لم تطلب من الله شيئاً سوى الله، وإن طالعت نور الرب طلبت منه خيرات الجنة، وإن طالعت منه نور الرحمن طلبت منه خيرات هذه الدنيا، وإن طالعت نور الرحيم طلبت منه أن يعصمك عن مضار الآخرة، وإن طالعت نور مالك يوم الدين طلبت منه أن يصونك عن آفات هذه الدنيا وقبائح الأعمال فيها لئلا تقع في عذاب الآخرة.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
النكتة السابعة : يمكن أيضاً تنزيل هذه الأسماء الخمسة على المراتب الخمس المذكورة في الذكر المشهور ـ وهو قوله سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ـ أما قولنا سبحان الله فهو فاتحة سورة واحدة وهي :﴿سُبْحَـانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِه لَيْلا﴾ (الإسراء : ١) وأما قولنا الحمد لله فهو فاتحة خمس سور، وأما قولنا لا إله إلا الله فهو فاتحة سورة واحدة وهي قوله :﴿ الر * اللَّهُ لا إِلَـاهَ إِلا هُوَ﴾ وأما قولنا الله أكبر فهو مذكور في القرآن لا بالتصريح في موضعين مضافاً إلى الذكر تارة وإلى الرضوان / أخرى فقال :﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ (التوبة : ١١٢) وقال :﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ وأما قولنا : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فهو غير مذكور في القرآن صريحاً، لأنه من كنوز الجنة، والكنز يكون مخفياً ولا يكون ظاهراً، فالأسماء الخمسة المذكورة في سورة الفاتحة مباد لهذه الأذكار الخمسة، فقولنا : الله مبدأ لقولنا سبحان الله، وقولنا : رب مبدأ لقولنا الحمد لله، وقولنا الرحمن مبدأ لقولنا لا إله إلا الله، فإن قولنا : ر إله إلا الله إنما يليق بمن يحصل له كمال القدرة وكمال الرحمة، وذلك هو الرحمن ؛ وقولنا : الرحيم مبدأ لقولنا الله أكبر ومعناه أنه أكبر من أن لا يرحم عباده الضعفاء، وقولنا : مالك يوم الدين مبدأ لقولنا لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لأن الملك والمالك هو الذي لا يقدر عبيده على أن يعملوا شيئاً على خلاف إرادته/ والله أعلم.
الفصل الثامن
في السبب المقتضي لاشتمال بسم اللّه الرحمن الرحيم
على الأسماء الثلاثة
السبب في اشمال البسملة على الأسماء الثلاثة :


الصفحة التالية
Icon