وأما القسم الثاني : وهو الذي لا يتعلق بالرسول، فإقدامهم على الإيمان وترك الكفر، فإن هذا لا يتعلق بالرسول، بل يتعلق باختيارهم، ونفعه وضره عائد إليهم، والمعنى من أبصر الحق وآمن فلنفسه أبصر، وإياها نفع، ومن عمي عنه فعلى نفسه عمي وإياها ضر بالعمى ﴿وَمَآ أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ احفظ أعمالكم وأجازيكم عليها. إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم.
المسألة الثانية : في أحكام هذه الآية، وهي أربعة ذكرها القاضي : فالأول : الغرض بهذه البصائر أن ينتفع بها اختياراً استحق بها الثواب لا أن يحمل عليها أو يلجأ إليها، لأن ذلك يبطل هذا الغرض. والثاني : أنه تعالى إنما دلنا وبين لنا منافع، وأغراض المنافع تعود إلينا لا لمنافع تعود إلى الله تعالى. والثالث : أن المرء بعدوله عن النظر والتدبر يضر بنفسه، ولم يؤت إلا من قبله لا من قبل ربه. والرابع : أنه متمكن من الأمرين، فلذلك قال :﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِه ا وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا ﴾ قال : وفيه إبطال قول المجبرة في المخلوق، وفي أنه تعالى يكلف بلا قدرة.
جزء : ١٣ رقم الصفحة : ١٠٥
واعلم أنه متى شرعت المعتزلة في الحكمة والفلسفة والأمر والنهي، فلا طريق فيه إلا معارضته بسؤال الداعي فإنه يهدم كل ما يذكرونه.
المسألة الثالثة : المراد من الإبصار ههنا العلم، ومن العمي الجهل، ونظيره قوله تعال :﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الابْصَـارُ وَلَـاكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِى الصُّدُورِ﴾ (الحج : ٤٦).
المسألة الرابعة : قال المفسرون قوله :﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِه ا وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا ﴾ معناه لا آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ عليكم والوكيل. قالوا : وهذا إنما كان قبل الأمر بالقتال، فلما أمر بالقتال صار حفيظاً عليهم، ومنهم من يقول آية القتال ناسخة لهذه الآية، وهو بعيد فكأن هؤلاء المفسرين مشغوفون بتكثير النسخ من غير حاجة إليه، والحق ما تقرره أصحاب أصول الفقه إن الأصل عدم النسخ، فوجب السعي في تقليله بقدر الإمكان.
جزء : ١٣ رقم الصفحة : ١٠٥
١٠٧
اعلم أنه تعالى لما تمم الكلام في الإلهيات إلى هذا الموضع شرع من هذا الموضع في إثبات / النبوات فبدأ تعالى بحكاية شبهات المنكرين لنبوة محمد صلى الله عليه وسلّم.
فالشبهة الأولى : قولهم يا محمد إن هذا القرآن الذي جئتنا به كلام تستفيده من مدارسة العلماء ومباحثة الفضلاء، وتنظمه من عند نفسك، ثم تقرأه علينا، وتزعم أنه وحي نزل عليك من الله تعالى، ثم إنه تعالى أجاب عنه بالوجوه الكثيرة، فهذا تقرير النظم، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن المراد من قوله :﴿وَكَذَالِكَ نُصَرِّفُ الايَـاتِ﴾ يعني أنه تعالى يأتي بها متواترة حالاً بعد حال، ثم قال :﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ وفيه مباحث :
البحث الأول : حكى الواحدي : في قوله درس الكتاب قولين : الأول : قال الأصمعي أصله من قولهم : درس الطعام إذا داسه، يدرسه دراساً والدراس الدياس بلغة أهل الشام قال : ودرس الكلام من هذا أي يدرسه فيخف على لسانه. والثاني : قال أبو الهيثم درست الكتاب أي ذللته بكثرة القراءة حتى خف حفظه، من قولهم درست الثوب أدرسه درساً فهو مدروس ودريس، أي أخلقته، ومنه قيل للثوب الخلق دريس لأنه قد لان، والدراسة الرياضة، ومنه درست السورة حتى حفظتها، ثم قال الواحدي : وهذا القول قريب مما قاله الأصمعي بل هو نفسه لأن المعنى يعود فيه إلى الدليل والتليين.
البحث الثاني : قرأ ابن كثير وأبو عمرو دارست بالألف ونصب التاء، وهو قراءة ابن عباس ومجاهد وتفسيرها قرأت على اليهود وقرؤا عليك، وجرت بينك وبينهم مدارسة ومذاكرة، ويقوى هذه القراءة قوله تعالى :﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَـاذَآ إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَه ﴾ (الفرقان : ٤) وقرأ ابن عامر ﴿دَرَسْتَ﴾ أي هذه الأخبار التي تلوتها علينا قديمة قد درست وانمحت، ومضت من الدرس الذي هو تعفى الأثر وإمحاء الرسم، قال الأزهري من قرأ ﴿دَرَسْتَ﴾ فمعناه تقادمت أي هذا الذي تتلوه علينا قد تقادم وتطاول وهو من قولهم درس الأثر يدرس دروساً.
واعلم أن صاحب "الكشاف" روى ههنا قراآت أخرى : فإحداها :﴿دَرَسْتَ﴾ بضم الراء مبالغة في ﴿دَرَسْتَ﴾ أي اشتد دروسها. وثانيها :﴿دَرَسْتَ﴾ على البناء للمفعول بمعنى قدمت وعفت. وثالثها : وفسروها بدارست اليهود محمداً. ورابعها : أي درس محمد. وخامسها : على معنى هي دارسات أي قديمات أو ذات درس كعيشة راضية.
جزء : ١٣ رقم الصفحة : ١٠٧
البحث الثالث :"الواو" في قوله :﴿الايَـاتِ وَلِيَقُولُوا ﴾ عطف على مضمر والتقدير وكذلك نصرف الآيات لنلزمهم الحجة وليقولوا فحذف المعطوف عليه لوضوح معناه.


الصفحة التالية
Icon