ثم قال تعالى :﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ قال أبو علي "ما" استفهام وفاعل يشعركم ضمير "ما" والمعنى : وما يدريكم إيمانهم ؟
فحذف المفعول، وحذف المفعول كثير. والتقدير : وما يدريكم إيمانهم، أي بتقدير أن تجيئهم هذه الآيات فهم لا يؤمنون. وقوله :﴿أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿أَنَّهَآ﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف وهي القراءة الجيدة. والتقدير : أن الكلام تم عند قوله :﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ أي وما يشعركم ما يكون منهم ثم ابتدأ فقال :﴿أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قال سيبويه : سألت الخليل عن القراءة بفتح الهمزة في أن وقلت لم لا يجوز أن يكون التقدير ما يدريك أنه لا يفعل ؟
فقال الخليل : إنه لا يحسن ذلك ههنا لأنه لو قال :﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ﴾ بالفتح لصار ذلك عذراً لهم، هذا كلام الخليل. وتفسيره إنما يظهر بالمثال فإذا اتخذت ضيافة وطلبت من رئيس البلد أن يحضر فلم يحضر، فقيل لك لو ذهبت أنت بنفسك إليه لحضر، فإذا قلت : وما يشعركم أني لو ذهبت إليه لحضر كان المعنى : أني لو ذهبت إليه بنفسي فإنه لا يحضر أيضاً فكذا ههنا قوله :﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ معناه أنها إذا جاءت آمنوا. وذلك يوجب مجيء هذه الآيات ويصير هذا الكلام عذراً للكفار في طلب الآيات، والمقصود من الآية دفع حجتهم في طلب الآيات، فهذا تقرير كلام الخليل وقرأ الباقون من القراء ﴿أَنَّهَآ﴾ بالفتح وفي تفسيره وجوه : الأول : قال الخليل :﴿ءَانٍ﴾ بمعنى لعل تقول العرب ائت السوق أنك تشتري لنا شيئاً أي لعلك، فكأنه تعالى قال لعلها إذا جاءت لا يؤمنون قال الواحدي :﴿ءَانٍ﴾ بمعنى لعل كثير في كلامهم قال الشاعر :
أريني جواداً مات هولاً لأنني
أرى ما تريني أو بخيلاً مخلداً
وقال آخر :
هل أنتم عاجلون بنا لأنا
نرى العرصات أو أثر الخيام
وقال عدي بن حاتم :
أعاذل ما يدريك أن منيتي
إلى ساعة في اليوم أوفي ضحى الغد
وقال الواحدي : وفسر علي ـ لعل منيتي ـ روى صاحب "الكشاف" أيضاً في هذا المعنى قول امرىء القيس :
جزء : ١٣ رقم الصفحة : ١١٤
عوجاً على الطلل المحيل لأننا
نبكي الديار كما بكى ابن خذام
قال صاحب "الكشاف" ويقوي هذا الوجه قراءة أبي ﴿أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾.
الوجه الثاني : في هذه القراءة أن تجعل ﴿لا﴾ صلة ومثله ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ﴾ (الأعراف : ١٢) معناه أن تسجد وكذلك قوله :﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـاهَآ أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ (الأنبياء : ٩٥) أي يرجعون فكذا ههنا التقدير وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون والمعنى : أنها لو جاءت لم يؤمنوا قال الزجاج، وهذا الوجه ضعيف لأن ما كان لغواً يكون لغواً على جميع التقديرات ومن قرأ ﴿أَنَّهَآ﴾ بالكسر فكلمة ﴿لا﴾ في هذه القراءة ليست بلغو فثبت أنه لا يجوز جعل هذا اللفظ لغواً. قال أبو علي الفارسي : لم لا يجوز أن يكون لغواً على أحد التقديرين ويكون مفيداً على التقدير الثاني ؟
واختلف القراء أيضاً في قوله :﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ فقرأ بعضهم بالياء وهو الوجه لأن قوله :﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ إنما يراد به قوم مخصوصون، والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية :﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة ﴾ وليس كل الناس بهذا الوصف، والمعنى وما يشعركم أيها المؤمنون لعلهم إذا جاءتهم الآية التي اقترحوها لم يؤمنوا فالوجه الياء وقرأ حمزة وابن عامر بالتاء وهو على الانصراف من الغيبة إلى الخطاب، والمراد بالمخاطبين في ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ هم الغائبون المقسمون الذين أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون، وذهب مجاهد وابن زيد إلى أن الخطاب في قوله :﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ للكفار الذين أقسموا. قال مجاهد : وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت، وهذا يقوي قراءة من قرأ ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ بالتاء. على ما ذكرناأولاً : الخطاب في قوله :﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ للكفار الذين أقسموا. وعلى ما ذكرنا ثانياً : الخطاب في قوله :﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ للمؤمنين، وذلك لأنهم تمنوا نزول الآية ليؤمن المشركون وهو الوجه كأنه قيل للمؤمنين تتمنون ذلك وما يدريكم أنهم يؤمنون ؟
جزء : ١٣ رقم الصفحة : ١١٤
المسألة الرابعة : حاصل الكلام أن القوم طلبوا من الرسول معجزات قوية وحلفوا أنها لو ظهرت لآمنوا، فبين الله تعالى أنهم وإن حلفوا على ذلك، إلا أنه تعالى عالم بأنها لو ظهرت لم يؤمنوا، وإذا كان الأمر كذلك لم يجب في الحكمة إجابتهم إلى هذا المطلوب. قال الجبائي والقاضي : هذه الآية تدل على أحكام كثيرة متعلقة بنصرة الاعتزال.
الحكم الأول