وأجاب الكعبي عنه : بأنه تعالى أمر الأنبياء بعدواتهم وأعلمهم كونهم أعداء لهم، وذلك يقتضي صيرورتهم أعداء للأنبياء. لأن العداوة لا تحصل إلا من الجانبين، فلهذا الوجه جاز أن يقال إنه تعالى جهلهم أعداء للأنبياء عليهم السلام.
واعلم أن هذه الأجوبة ضعيفة جداً لما بينا أن الأفعال مستندة إلى الدواعي، وهي حادثة من قبل الله تعالى، ومتى كان الأمر كذلك. فقد صح مذهبنا.
ثم ههنا بحث آخر : وهو أن العداوة والصداقة يمتنع أن تحصل باختيار الإنسان، فإن الرجل قد يبلغ في عداوة غيره إلى حيث لا يقدر البتة على إزالة تلك الحالة عن قلبه، بل قد لا يقدر على إخفاء آثار تلك العداوة، ولو أتى بكل تكلف وحيلة لعجز عنه، ولو كان حصول العداوة والصداقة في القلب باختيار الإنسان لوجب أن يكون الإنسان متمكناً من قلب العداوة بالصداقة وبالضد وكيف لا نقول ذلك والشعراء عرفوا أن ذلك خارج عن الوسع ؟
قال المتنبي :
جزء : ١٣ رقم الصفحة : ١٢٢
يراد من القلب نسيانكم
وتأبى الطباع على الناقل
والعاشق الذي يشتد عشقه قد يحتال بجميع الحيل في إزالة عشقه ولا يقدر عليه، ولو كان حصول ذلك الحب والبغض باختياره لما عجز عن إزالته.
المسألة الثالثة : النصب في قوله :﴿شَيَـاطِينَ﴾ فيه وجهان : الأول : أنه منصوب على البدل من قوله :﴿عَدُوًّا ﴾ والثاني : أن يكون قوله ﴿عَدُوًّا ﴾ منصوباً على أنه مفعول ثان، والتقدير : وكذلك جعلنا شياطين الإنس والجن أعداء الأنبياء.
المسألة الرابعة : اختلفوا في معنى شياطين الإنس والجن على قولين : الأول : أن المعنى مردة الإنس والجن، والشيطان ؛ كل عات متمرد من الإنس والجن، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء ومجاهد والحسن وقتادة وهؤلاء قالوا : إن من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، وإن الشيطان من الجن إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الإنس، وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليفتنه، والدليل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال لأبي ذر :"هل تعوذت بالله من شر شياطين الجن والإنس ؟
" قال قلت : وهل للإنس من شياطين ؟
قال :"نعم هم شر من شياطين الجن".
والقول الثاني : أن الجميع من ولد إبليس إلا أنه جعل ولده قسمين، فأرسل أحد القسمين إلى وسوسة الإنس. والقسم الثاني إلى وسوسة الجن، فالفريقان شياطين الإنس والجن، ومن الناس من قال : القول الأول أولى لأن المقصود من الآية الشكاية من سفاهة الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين، ومنهم من يقول : القول الثاني أولى، لأن لفظ الآية يقتضي إضافة الشياطين إلى الإنس والجن. والإضافة تقتضي المغايرة، وعلى هذا التقدير : فالشياطين نوع مغاير للجن وهم أولاد إبليس.
المسألة الخامسة : قال الزجاج وابن الأنباري : قوله :﴿عَدُوًّا ﴾ بمعنى أعداء وأنشد ابن الأنباري :
إذا أنا لم أنفع صديقي بوده
فإن عدوي لن يضرهمو بغضي
أراد أعدائي، فأدى الواحد عن الجمع، وله نظائر في القرآن. ومنها قوله :﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (الذاريات : ٢٤) جعل المكرمين وهو جمع نعتاً للضيف وهو واحد، وثانيها : قوله :﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَـاتٍ لَّهَا طَلْعٌ﴾ (ق : ١٠) وثالثها : قوله :﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَآءِ ﴾ (النور : ٣١) ورابعها : قوله :﴿إِنَّ الانسَـانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ ءَامَنُوا ﴾ (العصر : ٢) وخامسها : قوله :﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِّبَنِى إسرائيل ﴾ (آل عمران : ٩٣) أكد المفرد بما يؤكد الجمع به، ولقائل أن يقول لا حاجة إلى هذا التكلف، فإن التقدير : وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدواً واحداً، إذ لا يجب لكل واحد من الأنبياء أكثر من عدو واحد.
جزء : ١٣ رقم الصفحة : ١٢٢
أما قوله تعالى :﴿يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾ فالمراد أن أولئك الشياطين يوسوس بعضهم بعضاً.
واعلم أنه لا يجب أن تكون كل معصية تصدر عن إنسان فإنها تكون بسبب وسوسة شيطان، وإلا لزم دخول التسلسل أو الدور في هؤلاء الشياطين، فوجب الاعتراف بانتهاء هذه القبائح والمعاصي إلى قبيح أول، ومعصية سابقة حصلت لا بوسوسة شيطان آخر.


الصفحة التالية
Icon