المسألة الثانية : معنى يتكبرون : أنهم يرون أنهم أفضل الخلق وأن لهم من الحق ما ليس لغيرهم وهذه الصفة أعني التكبر لا تكون إلا لله تعالى، لأنه هو الذي له القدرة والفضل الذي ليس لأحد فلا جرم يستحق كونه متكبراً، وقال بعضهم : التكبر : إظهار كبر النفس على غيرها. وصفة التكبر صفة ذم في جميع العباد، وصفة مدح في الله جل جلاله، لأنه يستحق إظهار ذلك على من سواه لأن ذلك في حقه حق. وفي حق غيره باطل.
واعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية قوله :﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ لأن إظهار الكبر على الغير قد يكون بالحق، فإن للمحق أن يتكبر على المبطل، وفي الكلام المشهور التكبر على المتكبر صدقة.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٦٦
أما قوله تعالى :﴿وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾ ففيه مباحث :
البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي :﴿الرُّشْدِ﴾ بفتح الراء والشين والباقون بضم الراء وسكون الشين. وفرق أبو عمرو بينهما فقال :﴿الرُّشْدِ﴾ بضم الراء الصلاح لقوله تعالى :﴿وَابْتَلُوا الْيَتَـامَى حَتَّى ا إِذَا﴾ (النساء : ٦) أي صلاحاً، و﴿الرُّشْدِ﴾ بفتحهما الاستقامة في الدين. قال تعالى :﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (الكهف : ٦٦) وقال الكسائي هما لغتان بمعنى واحد، مثل الحزن والحزن، والسقم والقسم، وقيل :﴿الرُّشْدِ﴾ بالضم الاسم، وبالفتحتين المصدر.
البحث الثاني :﴿سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ عبارة عن سبيل الهدى والدين الحق والصواب في العلم والعمل و﴿سَبِيلَ الْغَىِّ﴾ ما يكون مضاداً لذلك، ثم بيّن تعالى أن هذا الصرف إنما كان لأمرين : أحدهما : كونهم مكذبين بآيات الله. والثاني : كونهم غافلين عنها، والمراد أنهم واظبوا على الإعراض عنها حتى صاروا بمنزلة الغافل عنها. والله أعلم.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٦٦
٣٦٧
اعلم أنه تعالى لما ذكر ما لأجله صرف المتكبرين عن آياته بقوله :﴿ذَالِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِـاَايَـاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَـافِلِينَ﴾ (الأعراف : ١٤٦) بين حال أولئك المكذبين، فقد كان يجوز أن يظن أنهم يختلفون في باب العقاب لأن فيهم من يعمل بعض أعمال البر، فبين تعالى حال جميعهم سواء كان متكبراً أو متواضعاً أو كان قليل الإحسان، أو كان كثير الإحسان، فقال :﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِـاَايَـاتِنَا وَلِقَآءِ الاخِرَةِ﴾ يعني بذلك جحدهم للميعاد وجرأتهم على المعاصي، فبين تعالى أن أعمالهم محبطة، والكلام في حقيقة الإحباط قد تقدم في سورة البقرة على الاستقصاء فلا فائدة في الإعادة.
ثم قال تعالى :﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وفيه حذف والتقدير : هل يجزون إلا بما كانوا يعملون ؟
أو على ما كانوا يعملون. واحتج أصحابنا بهذه الآية على فساد قول أبي هاشم في أن تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد أن لا يفعل الواجب، وإن لم يصدر منه فعل عند ذلك الواجب قالوا : هذه الآية تدل على أنه لا جزاء إلا على العمل، وليس ترك الواجب بعمل، فوجب أن لا يجازي / عليه، فثبت أن الجزاء إنما حصل على فعل ضده. وأجاب أبو هاشم : بأني لا أسمي ذلك العقاب جزاء فسقط الاستدلال.
وأجاب أصحابنا عن هذا الجواب : بأن الجزاء إنما سمي جزاء لأنه يجزي ويكفي في المنع من المنهي، وفي الحث على المأمور به فإن ترتب العقاب على مجرد ترك الواجب كان ذلك العقاب كافياً في الزجر عن ذلك الترك فكان جزاء، فثبت أنه لا سبيل إلى الامتناع من تسميته جزاء. والله أعلم.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٦٧
٣٦٩
اعلم أن المراد من هذه الآية قصة اتخاذ السامري العجل، وفيها مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي :﴿حُلِيِّهِمْ﴾ بكسر الحاء واللام وتشديد الياء للاتباع كدلي. والباقون :﴿حُلِيِّهِمْ﴾ بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء جمع حلي كثدي وثدي، وقرأ بعضهم :﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ على التوحيد، والحلي اسم ما يتحسن به من الذهب والفضة.


الصفحة التالية
Icon