ثم قال تعالى :﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا ﴾ أي قد تبينوا ضلالهم تبييناً كأنهم أبصروه بعيونهم قال القاضي : يجب أن يكون المؤخر مقدماً لأن الندم والتحير إنما يقطعان بعد المعرفة فكأنه تعالى قال :/ ولما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم لما نالهم من عظيم الحسرة، ويمكن أن يقال إنه لا حاجة إلى هذا التقديم والتأخير، وذلك لأن الإنسان إذا صار شاكاً في أن العمل الذي أقدم عليه هل هو صواب أو خطأ ؟
فقد يندم عليه من حيث إن الإقدام على ما لا يعلم كونه صواباً أو خطأ فاسداً أو باطلاً غير جائز/ فعند ظهور هذه الحالة يحصل الندم، ثم بعد ذلك يتكامل العلم ويظهر أنه كان خطأ وفاسداً وباطلاً فثبت أن على هذا التقدير لا حاجة إلى التزام التقديم والتأخير. ثم بين تعالى أنهم عند ظهور هذا الندم وحصول العلم بأن الذي عملوه كان باطلاً أظهروا الانقطاع إلى الله تعالى فـ ﴿قَالُوا لَـاـاِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَـاسِرِينَ﴾ وهذا كلام من اعترف بعظيم ما أقدم عليه وندم على ما صدر منه ورغب إلى ربه في إقالة عثرته، ثم صدقوا على أنفسهم كونهم من الخاسرين إن لم يغفر الله لهم، وهذا الندم والاستغفار إنما حصل بعد رجوع موسى عليه السلام إليهم، وقرىء :(لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا) بالتاء ﴿وَرَبُّنَا﴾ بالنصب على النداء، وهذا كلام التائبين كما قال آدم وحواء عليهما السلام :﴿وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٧٠
٣٧٣
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن قوله :﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى ا إِلَى قَوْمِه غَضْبَـانَ أَسِفًا﴾ لا يمنع من أن يكون قد عرف خبرهم من قبل في عبادة العجل، / ولا يوجب ذلك لجواز أن يكون عند الرجوع ومشاهدة أحوالهم صار كذلك، فلهذا السبب اختلفوا فيه فقال قوم : إنه عند هجومه عليهم عرف ذلك. وقال أبو مسلم : بل كان عارفاً بذلك من قبل، وهذا أقرب، ويدل عليه وجوه : الأول : أن قوله تعالى :﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى ا إِلَى قَوْمِه غَضْبَـانَ أَسِفًا﴾ يدل على أنه حال ما كان راجعاً كان غضبان أسفاً، وهو إنما كان راجعاً إلى قومه قبل وصوله إليهم، فدل هذا على أنه عليه السلام قبل وصوله إليهم كان عالماً بهذه الحالة. الثاني : أنه تعالى ذكر في سورة طه أنه أخبره بوقوع تلك الواقعة في الميقات.
المسألة الثانية : في الأسف قولان : الأول : أن الأسف الشديد الغضب، وهو قول أبي الدرداء وعطاء، عن ابن عباس واختيار الزجاج. واحتجوا بقوله :﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (الزخرف : ٥٥) أي أغضبونا. والثاني : وهو أيضاً قول ابن عباس والحسن والسدي، إن الآسف هو الحزين. وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت : إن أبا بكر رجل أسيف أي حزين. قال الواحدي : والقولان متقاربان، لأن الغضب من الحزن والحزن من الغضب، فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت، وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت. فتسمى إحدى هاتين الحالتين حزناً والأخرى غضباً، فعلى هذا كان موسى غضبان على قومه لأجل عبادتهم العجل، أسفاً حزيناً، لأن الله تعالى فتنهم. وقد كان تعالى قال له :﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنا بَعْدِكَ﴾ (طه : ٨٥).
أما بقوله :﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِنا بَعْدِى ﴾ فمعناه بئسما قمتم مقامي وكنتم خلفائي من بعدي وهذا الخطاب إنما يكون لعبدة العجل من السامري وأشياعه أو لوجوه بني إسرائيل، وهم : هارون عليه السلام والمؤمنون معه، ويدل عليه قوله :﴿اخْلُفْنِى فِى قَوْمِى﴾ (الأعراف : ١٤٢) وعلى التقدير الأول يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله، وعلى هذا التقدير الثاني، يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوا من عبادة غير الله تعالى، وههنا سؤالات :
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٧٣
السؤال الأول : أين ما يقتضيه "بئس" من الفاعل، والمخصوص بالذم.
والجواب : الفاعل مضمر يفسره قوله :﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى﴾ والمخصوص بالذم محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم.
السؤال الثاني : أي معنى لقوله :﴿مِنا بَعْدِى﴾ بعد قوله :﴿خَلَفْتُمُونِى﴾.
والجواب : معناه من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله تعالى، ونفي الشركاء عنه وإخلاص العبادة له أو من بعد ما كانت أحمل بني إسرائيل على التوحيد وأمنعهم من عبادة البقر حين قالوا :﴿اجْعَل لَّنَآ إِلَـاهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ ﴾ ومن حق الخلفاء أن يسيروا سيرة المستخلفين.
وأما قوله :﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ فمعنى العجلة التقدم بالشيء قبل وقته/ ولذلك صارت مذمومة / والسرعة غير مذمومة، لأن معناها عمل الشيء في أول أوقاته. هكذا قاله الواحدي.


الصفحة التالية
Icon