المسألة الثالثة : قوله :﴿أَخَذَ الالْوَاحَ ﴾ المراد منه الألواح المذكورة في قوله تعالى :﴿وَأَلْقَى الالْوَاحَ﴾ (الأعراف : ١٥) وظاهر هذا يدل على أن شيئاً منها لم ينكسر ولم يبطل، وأن الذي قيل من أن ستة أسباع التوراة رفعت إلى السماء ليس الأمر كذلك وقوله :﴿وَفِى نُسْخَتِهَا﴾ النسخ عبارة عن النقل والتحويل فإذا كتبت كتاباً عن كتاب حرفاً بعد حرف. قلت : نسخت ذلك الكتاب، كأنك نقلت ما في الأصل / إلى الكتاب الثاني. قال ابن عباس : لما ألقى موسى عليه السلام الألواح تكسرت فصام أربعين يوماً، فأعاد الله تعالى الألواح وفيها عين ما في الأولى، فعلى هذا قوله :﴿وَفِى نُسْخَتِهَا﴾ أي وفيما نسخ منها. وأما إن قلنا إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بأعيانها بعد ما ألقاها، ولا شك أنها كانت مكتوبة من اللوح المحفوظ فهي أيضاً تكون نسخاً على هذا التقدير وقوله :﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ أي ﴿هُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةً ﴾ من العذاب ﴿لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ يريد الخائفين من ربهم.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٧٥
فإن قيل : التقدير للذين يرهبون ربهم فما الفائدة في اللام في قوله :﴿لِرَبِّهِمُ﴾.
قلنا فيه وجوه : الأول : أن تأخير الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفاً فدخلت اللام للتقوية، ونظيره قوله :﴿لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (يوسف : ٤٣)الثاني : أنها لام الأجل والمعنى : للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء ولا سمعة. الثالث : أنه قد يزاد حرف الجر في المفعول، وإن كان الفعل متعدياً كقولك قرأت في السورة وقرأت السورة، وألقى يده وألقى بيده، وفي القرآن ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾ (العلق : ١٤) وفي موضع آخر ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ﴾ فعلى هذا قوله ﴿لِرَبِّهِمُ﴾ اللام صلة وتأكيد كقوله :﴿رَدِفَ لَكُم﴾ وقد ذكرنا مثل هذا في قوله :﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ (آل عمران : ٧٣).
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٧٥
٣٧٨
في هذه الآية مسائل :
المسألة الأولى : الاختيار : افتعال من لفظ الخير يقال : اختار الشيء إذا أخذ خيره وخياره، وأصل اختار : اختير، فلما تحركت الياء وقبلها فتحة قلبت ألفاً نحو قال وباع، ولهذا السبب استوى لفظ الفاعل والمفعول فقيل فيهما، مختار، والأصل مختير ومختير فقلبت الياء فيهما ألفاً فاستويا في / اللفظ. وتحقيق الكلام فيه أن نقول : إن الأعضاء السليمة بحسب سلامتها الأصلية صالحة للفعل والترك، وصالحة للفعل ولضده، وما دام يبقى على هذا الاستواء امتنع أن يصير مصدراً لأحد الجانبين دون الثاني، وإلا لزم رجحان الممكن من غير مرجح، وهو محال، فإذا حكم الإنسان بأن له في الفعل نفعاً زائداً وصلاحاً راجحاً، فقد حكم بأن ذلك الجانب خير له من ضده. فعند حصول هذا الاعتقاد في القلب يصير الفعل راجحاً على الترك، فلولا الحكم بكون ذلك الطرف خيراً من الطرف الآخر امتنع أن يصير فاعلاً، فلما كان صدور الفعل عن الحيوان موقوفاً على حكمه بكون ذلك الفعل خيراً من تركه، لا جرم سمى الفعل الحيواني فعلاً اختيارياً. والله أعلم.
فإن قيل : إن الإنسان قد يقتل نفسه وقد يرمي نفسه من شاهق جبل مع أنه يعلم أن ذلك ليس من الخيرات بل من الشرور.
فنقول : إن الإنسان لا يقدم على قتل نفسه إلا إذا اعتقد أنه بسبب ذلك القتل يتخلص عن ضرر أعظم من ذلك القتل، والضرر الأسهل بالنسبة إلى الضرر الأعظم يكون خيراً لا شراً. وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل. والله أعلم.
المسألة الثانية : قال جماعة النحويين : معناه واختار موسى من قومه سبعين. فحذفت كلمة "من" ووصل الفعل فنسب، يقال : اخترت من الرجال زيداً واخترت الرجال زيداً، وأنشدوا قول الفرزدق :
ومنا الذي اختار الرجال سماحة
وجوداً إذا هب الرياح الزعازع
قال أبو علي والأصل في هذا الباب أن من الأفعال ما يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف واحد، ثم يتسع فيحذف حرف الجر فيتعدى الفعل إلى المفعول الثاني، من ذلك قولك اخترت من الرجال زيداً ثم يتسع فيقال اخترت الرجال زيداً وقولك أستغفر الله من ذنبي وأستغفر الله ذنبي قال الشاعر :
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٧٨
أستغفر الله ذنباً لست أحصيه
ويقال أمرت زيداً بالخير وأمرت زيداً الخير قال الشاعر :
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به
والله أعلم.
وعندي فيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير : واختار موسى قومه لميقاتنا وأراد بقومه المعتبرين منهم إطلاقاً لاسم الجنس على ما هو المقصود منهم وقوله :﴿سَبْعِينَ رَجُلا﴾ عطف بيان وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى ما ذكروه من التكلفات.