ثم حكى تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال بعد ذلك :﴿أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَـافِرِينَ﴾ واعلم أن قوله :﴿أَنتَ وَلِيُّنَا﴾ يفيد الحصر، ومعناه أنه لا ولي لنا ولا ناصر ولا هادي إلا أنت، وهذا من تمام ما سبق ذكره من قوله :﴿تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ ﴾ وقوله :﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ﴾ المراد منه أن إقدامه على قوله :﴿إِنْ هِىَ إِلا فِتْنَتُكَ﴾ جراءة عظيمة، فطلب من الله غفرانها والتجاوز عنها وقوله :﴿وَأَنتَ خَيْرُ الْغَـافِرِينَ﴾ معناه أن كل من سواك فإنما يتجاوز عن الذنب إما طلباً للثناء الجميل أو للثواب الجزيل، أو دفعاً للربقة الخسيسة عن القلب، وبالجملة فذلك الغفران يكون لطلب نفع أو لدفع ضرر، أما أنت فتغفر ذنوب عبادك لا لطلب عوض وغرض، بل لمحض الفضل والكرم، فوجب القطع بكونه ﴿خَيْرُ الْغَـافِرِينَ﴾ والله أعلم.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٧٨
٣٧٩
اعلم أن هذا من بقية دعاء موسى صلى الله عليه وسلّم عند مشاهدة الرجفة. فقوله :﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِى هَـاذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ معناه أنه قرر أولاً أنه الأولى له إلا الله تعالى وهو قوله :﴿أَنتَ وَلِيُّنَا﴾ ثم إن المتوقع من الولي والناصر أمران : أحدهما : دفع الضرر. والثاني : تحصيل النفع، ودفع الضرر مقدم على تحصيل النفع، فلهذا السبب بدأ بطلب دفع الضرر، وهو قوله :﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ﴾ ثم أتبعه بطلب تحصيل النفع وهو قوله :﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِى هَـاذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاخِرَةِ﴾ وقوله :﴿وَاكْتُبْ﴾ أي وجب لنا والكتابة تذكر بمعنى الإيجاب وسؤاله الحسنة في الدنيا والآخرة كسؤال المؤمنين من هذه الأمة حيث أخبر الله تعالى عنهم في قوله :﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٧٩
واعلم أن كونه تعالى ولياً للعبد يناسب أن يطلب العبد منه دفع المضار وتحصيل المنافع ليظهر آثار كرمه وفضله وإلهيته، وأيضاً اشتغال العبد بالتوبة والخضوع والخشوع يناسب طلب هذه الأشياء، فذكر السبب الأول أولاً، وهو كونه تعالى ولياً له وفرع عليه طلب هذه الأشياء، ثم ذكر بعده السبب الثاني، وهو اشتغال العبد بالتوبة والخضوع فقال :﴿إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ ﴾ قال المفسرون :﴿هُدْنَآ﴾ أي تبنا ورجعنا إليك، قال الليث :"الهود" التوبة، وإنما ذكر هذا السبب أيضاً لأن السبب الذي يقتضي حسن طلب هذه الأشياء ليس إلا مجموع هذين الأمرين كونه إلهاً ورباً وولياً، وكوننا عبيداً له تائبين خاضعين خاشعين، فالأول : عهد عزة الربوبية. والثاني : عهد ذلة العبودية، فإذا حصلا واجتمعا فلا سبب أقوى منهما. ولما حكى الله تعالى دعاء موسى عليه السلام ذكر بعده ما كان جواباً لموسى عليه السلام، فقال تعالى قال :﴿عَذَابِى أُصِيبُ بِه مَنْ أَشَآءُ ﴾ معناه إني أعذب من أشاء وليس لأحد علي اعتراض لأن الكل ملكي، ومن تصرف في خالص ملكه فليس لأحد أن يعترض عليه، وقرأ الحسن ﴿وَمَنْ أَسَآءَ﴾ من الإساءة، واختار الشافعي هذه القراءة وقوله :﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ ﴾ فيه أقوال كثيرة. قيل المراد من قوله :﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ ﴾ هو أن رحمته في الدنيا عمت الكل، وأما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين وإليه الإشارة بقوله :﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ وقيل : الوجود خير من العدم، وعلى هذا التقدير فلا موجود إلا وقد وصل إليه رحمته وأقل المراتب وجوده، وقيل الخير مطلوب بالذات، والشر مطلوب بالعرض وما بالذات راجح غالب، وما بالعرض مرجوح مغلوب، وقال المعتزلة : الرحمة عبارة عن إرادة الخير، ولا حي إلا وقد خلقه الله تعالى للرحمة واللذة والخير لأنه إن كان منتفعاً أو متمكناً من الانتفاع فهو برحمة الله من جهات كثيرة وإن حصل هناك ألم فله الأعواض الكثيرة، وهي من نعمة الله تعالى ورحمته فلهذا السبب قال :﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ ﴾ وقال أصحابنا قوله :﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ ﴾ من العام الذي أريد به الخاص، كقوله :﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٧٩
أما قوله :﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِى هَـاذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا﴾.
فاعلم أن جميع تكاليف الله محصورة في نوعين : الأول : التروك، وهي الأشياء التي يجب على الإنسان تركها، والاحتراز عنها والاتقاء منها، وهذا النوع إليه الإشارة بقوله :﴿لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ والثاني : الأفعال وتلك التكاليف إما أن تكون متوجهة على مال الإنسان أو على نفسه.
أما القسم الأول : فهو الزكاة وإليه الإشارة بقوله :﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَواةَ﴾.