الصفة الخامسة : قوله :﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال الزجاج : يجوز أن يكون قوله :﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ استئنافاً، ويجوز أن يكون المعنى ﴿يَجِدُونَه مَكْتُوبًا عِندَهُمْ﴾ أنه ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ وأقول مجامع الأمر بالمعروف محصورة في قوله عليه الصلاة والسلام :"التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله" وذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته وإما ممكن الوجود لذاته. أما الواجب لذاته فهو الله جل جلاله، ولا معروف أشرف من تعظيمه وإظهار عبوديته وإظهار الخضوع والخشوع على باب عزته والاعتراف بكونه موصوفاً بصفات الكمال مبرأ عن النقائص والآفات منزهاً عن الأضداد والأنداد، وأما الممكن لذاته فإن لم يكن حيواناً، فلا سبيل إلى إيصال الخير إليه لأن الانتفاع مشروط بالحياة، ومع هذا فإنه يجب النظر إلى كلها بعين التعظيم من حيث إنها مخلوقة لله تعالى، ومن حيث إن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلاٌ قاهراً وبرهاناً باهراً على توحيده وتنزيهه فإنه يجب النظر إليه بعين الاحترام. ومن حيث إن الله تعالى في كل ذرة من ذرات المخلوقات أسراراً عجيبة وحكماً خفية فيجب النظر إليها بعين الاحترام، وأما إن كان ذلك المخلوق من جنس الحيوان فإنه يجب إظهار الشفقة عليه بأقصى ما يقدر الإنسان عليه، ويدخل فيه بر الوالدين وصلة الأرحام وبث المعروف فثبت أن قوله عليه الصلاة والسلام :"التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله" كلمة جامعة لجميع جهات الأمر بالمعروف.
الصفة السادسة : قوله :﴿وَيَنْهَـاـاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ والمراد منه أضداد الأمور المذكورة وهي عبادة الأوثان، والقول في صفات الله بغير علم، والكفر بما أنزل الله على النبيين، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين.
الصفة السابعة : قوله تعالى :﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَـاتِ﴾ من الناس من قال : المراد بالطيبات الأشياء التي حكم الله بحلها وهذا بعيد لوجهين : الأول : أن على هذا التقدير تصير الآية ويحل لهم المحللات وهذ محض التكرير. الثاني : أن على هذا التقدير تخرج الآية عن الفائدة، لأنا لا ندري أن الأشياء التي أحلها الله ما هي وكم هي ؟
بل الواجب أن يكون المراد من الطيبات الأشياء المستطابة بحسب الطبع وذلك لأن تناولها يفيد اللذة، والأصل في المنافع الحل فكانت هذه الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا لدليل منفصل.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٨٢
الصفة الثامنة : قوله تعالى :﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَـا ئِثَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس، يريد الميتة والدم وما ذكر في سورة المائدة إلى قوله :﴿ذَالِكُمْ فِسْقٌ ﴾ وأقول : كل ما يستخبثه الطبع وتستقذره النفس كان تناوله سبباً للألم، والأصل في المضار الحرمة، فكان مقتضاه أن كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه / الحرمة إلا لدليل منفصل. وعلى هذا الأصل : فرع الشافعي رحمه الله تحريم بيع الكلب، لأنه روى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم في كتاب الصحيحين أنه قال :"الكلب خبيث، وخبيث ثمنه" وإذا ثبت أن ثمنه خبيث وجب أن يكون حراماً لقوله تعالى :﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَـا ئِثَ﴾ وأيضاً الخمر محرمة لأنها رجس بدليل قوله :﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ (المائدة : ٩٠) إلى قوله :﴿رِجْسٌ﴾ والرجس خبيث بدليل إطباق أهل اللغة عليه، والخبيث حرام لقوله تعالى :﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَـا ئِثَ﴾.
الصفة التاسعة : قوله تعالى :﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالاغْلَـالَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحده على الجمع، والباقون ﴿عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ على الواحد. قال أبو علي الفارسي : الإصر مصدر يقع على الكثرة مع إفراد لفظه يدل على ذلك إضافته، وهو مفرد إلى الكثرة، كما قال :﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـارِهِمْ ﴾ (البقرة : ٢٠) ومن جمع، أراد ضروباً من العهود مختلفة، والمصادر قد تجمع إذا اختلفت ضروبها كما في قوله :﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ﴾ (الأحزاب : ١٠).
المسألة الثانية : الأصر الثقل الذي يأصر صاحبه، أي يحبسه من الحراك لثقله، والمراد منه : أن شريعة موسى عليه السلام كانت شديدة. وقوله :﴿وَالاغْلَـالَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ المراد منه : الشدائد التي كانت في عباداتهم كقطع أثر البول، وقتل النفس في التوبة، وقطع الأعضار الخاطئة، وتتبع العروف من اللحم وجعلها الله أغلالاً، لأن التحريم يمنع من الفعل، كما أن الغل يمنع عن الفعل، وقيل : كانت بنو إسرائيل إذا قامت إلى الصلاة لبسوا المسوح، وغلوا أيديهم إلى أعناقهم تواضعاً لله تعالى، فعلى هذا القول الأغلال غير مستعارة.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٨٢