قلنا : قد فعلنا فنكون بذلك معذورين، وقال الأزهري : المعذرة اسم على مفعلة من عذر يعذر وأقيم مقام الاعتذار. كأنهم قالوا : موعظتنا اعتذار إلى ربنا. فأقيم الاسم مقام الاعتذار، ويقال : اعتذر فلان اعتذاراً وعذراً ومعذرة من ذنبه فعذرته، وقوله :﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي وجائز عندنا أن ينتفعوا بهذا الوعظ فيتقوا الله ويتركوا هذا الذنب.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٩٣
إذا عرفت هذا فنقول : في هذه الآية قولان :
القول الأول : أن أهل القرية منهم من صاد السمك وأقدم على ذلك الذنب ومنهم من لم يفعل ذلك، وهذا القسم الثاني صاروا قسمين : منهم من وعظ الفرقة المذنبة، وزجرهم عن ذلك الفعل، ومنهم من سكت عن ذلك الوعظ، وأنكروا على الواعظين وقالوا لهم : لم تعظوهم، مع العلم بأن / الله مهلكهم أو معذبهم ؟
يعني : أنهم قد بلغوا في الإصرار على هذا الذنب إلى حد لا يكادون يمنعون عنه، فصار هذا الوعظ عديم الفائدة عديم الأثر، فوجب تركه.
والقول الثاني : أن أهل القرية كانوا فرقتين : فرقة أقدمت على الذنب، وفرقة أحجموا عنه ووعظوا الأولين، فلما اشتغلت هذه الفرقة بوعظ الفرقة المذنبة المتعدية المقدمة على القبيح، فعند ذلك قالت الفرقة المذنبة للفرقة الواعظة ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾ بزعمكم ؟
قال الواحدي : والقول الأول أصح، لأنهم لو كانوا فرقتين وكان قوله :﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ خطاباً من الفرقة الناهية للفرقة المعتدية لقالوا :﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
أما قوله :﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِه ﴾ يعني : أنهم لما تركوا ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه، أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الظالمين المقدمين على فعل المعصية.
واعلم أن لفظ الآية يدل على أن الفرقة المتعدية هلكت، والفرقة الناهية عن المنكر نجت. أما الذين قالوا :﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ فقد اختلف المفسرون في أنهم من أي الفريقين كانوا ؟
فنقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه توقف فيه. ونقل عنه أيضاً : هلكت الفرقتان ونجت الناهية، وكان ابن عباس إذا قرأ هذه الآية بكى وقال : إن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا، ونحن نرى أشياء ننكرها، ثم نسكت ولا نقول شيئاً. قال الحسن : الفرقة الساكتة ناجية، فعلى هذا نجت فرقتان وهلكت الثالثة. واحتجوا عليه بأنهم لما قالوا :﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾ دل ذلك على أنهم كانوا منكرين عليهم أشد الإنكار، وأنهم إنما تركوا وعظهم لأنه غلب على ظنهم أنهم لا يلتفتون إلى ذلك الوعظ ولا ينتفعون به.
فإن قيل : إن ترك الوعظ معصية، والنهي عنه أيضاً معصية، فوجب دخول هؤلاء التاركين للوعظ الناهين عنه تحت قوله :﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٩٣
قلنا : هذا غير لازم، لأن النهي عن المنكر إنما يجب على الكفاية. فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، ثم ذكر أنه تعالى أخذهم بعذاب بئيس، والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر ذكره. وقوله :﴿بِعَذَابا بَئِيس ﴾ أي شديد وفي هذه اللفظة قراآت : أحدها :﴿بَئِيس ﴾ بوزن فعيل. قال أبو علي : وفيه وجهان : الأول : أن يكون فعيلاً من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد. والآخر : ما قاله أبو زيد، وهو أنه من البؤس وهو الفقر يقال بئس الرجل يبأس بؤساً وبأساً وبئيساً إذا افتقر فهو بائس، أي فقير. فقوله :﴿بِعَذَابا بَئِيس ﴾ أي ذي بؤس. والقراءة الثانية ﴿بِئْسَ﴾ بوزن حذر. والثالثة : على قلب الهمزة ياء، كالذيب في ذئب، والرابعة : على فيعل. والخامسة : كوزن / ريس على قلب همزة بئيس ياء وإدغام الياء فيها. والسادسة : على تخفيف بيس كهين في هين، وهذه القراآت نقلها صاحب "الكشاف". ثم بين تعالى أنهم مع نزول هذا العذاب بهم تمردوا.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٩٣
٣٩٣
وفيه مباحث :
البحث الأول : العتو عبارة عن الإباء والعصيان، وإذا عتوا عما نهوا عنه فقد أطاعوا، لأنهم أبوا عما نهوا عنه، ومعلوم أنه ليس المراد ذلك فلا بد من إضمار، والتقدير : فلما عتوا عن ترك ما نهوا عنه، ثم حذف المضاف، وإذا أبوا ترك المنهي كان ذلك ارتكاباً للمنهى.
البحث الثاني : من الناس من قال : إن قوله :﴿عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً﴾ ليس من المقال، بل المراد منه : أنه تعالى فعل ذلك. قال : وفيه دلالة على أن قوله :﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَـاهُ أَن نَّقُولَ لَه كُن فَيَكُونُ﴾ (النحل : ٤٠) هو بمعنى الفعل لا الكلام. وقال الزجاج : أمروا بأن يكونوا كذلك بقول سمع فيكون أبلغ.
واعلم أن حمل هذا الكلام على هذا بعيد، لأن المأمور بالفعل يجب أن يكون قادراً عليه، والقوم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم قردة.


الصفحة التالية
Icon