القول الأول : أن يكون مرفوعاً بالابتداء وخبره ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ والمعنى : إنا لا نضيع أجرهم وهو كقوله :﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـالِحَـاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا﴾ (الكهف : ٣٠) وهذا الوجه حسن لأنه لما ذكر وعيد من ترك التمسك بالكتاب أردفه بوعد من تمسك به.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٩٧
والقول الثاني : أن يكون مجروراً عطفاً على قوله :﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ويكون قوله :﴿إِنَّا لا نُضِيعُ﴾ / زيادة مذكورة لتأكيد ما قبله.
فإن قيل : التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة، ومنها إقامة الصلاة فكيف أفردت بالذكر ؟
قلنا : إظهاراً لعلو مرتبة الصلاة، وأنها أعظم العبادات بعد الإيمان.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٩٧
٣٩٧
قال أبو عبيدة : أصل النتق قلع الشيء من موضعه، والرمي به. يقال : نتق ما في الجراب إذا رمى به وصبه. وامرأة ناتق ومنتاق إذا كثر ولدها لأنها ترمي بأولادها رمياً فمعنى ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ أي قلعناه من أصله وجعلناه فوقهم وقوله :﴿كَأَنَّه ظُلَّةٌ﴾ قال ابن عباس : كأنه سقيفة والظلة كل ما أظلك من سقف بيت أو سحابة أو جناح حائط، والجمع ظلل وظلال، وهذه القصة مذكورة في سورة البقرة ﴿وَظَنُّوا أَنَّه وَاقِعُا بِهِمْ﴾ (الأعراف : ١٧١) قال المفسرون : علموا وأيقنوا. وقال أهل المعاني : قوي في نفوسهم أنه واقع بهم إن خالفوه، وهذا هو الأظهر في معنى الظن، ومضى الكلام فيه عند قوله ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـاقُوا رَبِّهِمْ﴾ (البقرة : ٤٦) روى أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لغلظها وثقلها، فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم، وكان فرسخاً في فرسخ، وقيل لهم : إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم، فلما نظروا إلى الجبل خر كل واحد منهم ساجداً على حاجبه الأيسر، وهو ينظر بعينه اليمنى خوفاً من سقوطه، فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى، ويقولون هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة.
ثم قال تعالى :﴿خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَـاكُم بِقُوَّةٍ﴾ أي وقلنا خذوا ما آتيناكم أو قائلين : خذوا ما آتيناكم من الكتاب بقوة وعزم على احتمال مشاقه وتكاليفه ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ من الأوامر والنواهي، أي واذكروا ما فيه من الثواب والعقاب، ويجوز أن يراد : خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة، إن كنتم تطيقونه كقوله :﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ فَانفُذُوا ﴾ (الرحمن : ٣٣) واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة لعلكم تتقون ما أنتم عليه.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٣٩٧
٤٠٣
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما شرح قصة موسى عليه السلام مع توابعها على أقصى الوجوه ذكر في هذه الآية ما يجري مجرى تقرير الحجة على جميع المكلفين، وفي تفسير هذه الآية قولان : الأول : وهو مذهب المفسرين وأهل الأثر ما روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر رضي الله عنه سئل عن هذه الآية فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم سئل عنها فقال :"إن الله سبحانه وتعالى خلق آدم ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون" فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل ؟
فقال عليه الصلاة والسلام :"إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار" وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم :"لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة من ذريته إلى يوم القيامة" وقال مقاتل :"إن الله مسح صفحة ظهر آدم سوداء كهيئة الذر فقال يآدم هؤلاء ذريتك.


الصفحة التالية
Icon