واعلم أن هذا التمثيل ما وقع بجميع الكلاب، وإنما وقع بالكلب اللاهث، وأخس الحيوانات هو الكلب، وأخس الكلاب هو الكلب اللاهث، فمن آتاه الله العلم والدين فمال إلى الدنيا، وأخلد إلى الأرض، كان مشبهاً بأخس الحيوانات، وهو الكلب اللاهث، وفي تقرير هذا التمثيل وجوه : الأول : أن كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في حال الإعياء، وفي حال الراحة، وفي حال العطش، وفي حال الري، فكان ذلك عادة منه وطبيعة، وهو مواظب عليه كعادته الأصلية، وطبيعته الخسيسة، لا لأجل حاجة وضرورة، فكذلك من آتاه الله العلم والدين أغناه عن التعرض لأوساخ أموال الناس، ثم إنه يميل إلى طلب الدنيا، ويلقى نفسه فيها، كانت حاله كحال ذلك اللاهث، حيث واظب على العمل الخسيس، والفعل القبيح، لمجرد نفسه الخبيثة. وطبيعته الخسيسة، لا لأجل الحاجة والضرورة. والثاني : أن الرجل العالم إذا توسل / بعلمه إلى طلب الدنيا، فذاك إنما يكون لأجل أنه يورد عليهم أنواع علومه ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها، ولا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات، وتقرير تلك العبارات يدلع لسانه، ويخرجه لأجل ما تمكن في قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا، فكانت حالته شبيهة بحالة ذلك الكلب الذي أخرج لسانه أبداً من غير حاجة ولا ضرورة، بل بمجرد الطبيعة الخسيسة والثالث : أن الكلب اللاهث لا يزال لهثة البتة، فكذلك الأنسان الحريص لا يزال حرصه البتة.
أما قوله تعالى :﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ فالمعنى أن هذا الكلب إن شد عليه وهيج لهث وإن ترك أيضاً لهث، لأجل أن ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له، فكذلك هذا الحريص الضال إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال لأجل أن ذلك الضلال والخسارة عادة أصلية وطبيعية ذاتية له.
فإن قيل : ما محل قوله :﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ﴾.
قلنا : النصب على الحال، كأنه قيل كمثل الكلب ذليلاً لاهثاً في الأحوال كلها.
ثم قال تعالى :﴿ذَّالِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِـاَايَـاتِنَا ﴾ فعم بهذا التمثيل جميع المكذبين بآيات الله قال ابن عباس : يريد أهل مكة كانوا يتمنون هادياً يهديهم وداعياً يدعوهم إلى طاعة الله، ثم جاءهم من لا يشكون في صدقه وديانته فكذبوه، فحصل التمثيل بينهم وبين الكلب الذي إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث لأنهم لم يهتدوا لما تركوا ولم يهتدوا لما جاءهم الرسول فبقوا على الضلال في كل الأحوال مثل هذا الكلب الذي بقي على اللهث في كل الأحوال.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٠٦
ثم قال :﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ يريد قصص الذين كفروا وكذبوا أنبياءهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يريد يتعظون.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٠٦
٤٠٦
اعلم أنه تعالى لما قال بعد تمثيلهم بالكلب ﴿ذَّالِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِـاَايَـاتِنَا ﴾ وزجر بذلك عن الكفر والتكذيب أكده في باب الزجر بقوله تعالى :﴿سَآءَ مَثَلا﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الليث : ساء يسوء فعل لازم ومتعد يقال : ساءت الشيء يسوء فهو سيء إذا قبح وساءه يسوءه مساءة. قال النحويون : تقديره ساء مثلاً، مثل القوم انتصب مثلاً على التمييز لأنك إذا قلت ساء جاز أن تذكر شيئاً آخر سوى مثلاً، فلما ذكرت نوعاً، فقد ميزته من سائر / الأنواع وقولك القوم ارتفاعه من وجهين : أحدهما : أن يكون مبتدأ ويكون قولك ساء مثلاً خبره والثاني : أنك لما قلت ساء مثلاً. قيل لك : من هو ؟
قلت القوم، فيكون رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف. وقرأ الجحدري : ساء مثل القوم.
البحث الثاني : ظاهر قوله :﴿سَآءَ مَثَلا﴾ يقتضي كون ذلك المثل موصوفاً بالسوء، وذلك غير جائز، لأن هذا المثل ذكره الله تعالى، فكيف يكون موصوفاً بالسوء، وأيضاً فهو يفيد الزجر عن الكفر والدعوة إلى الإيمان، فكيف يكون موصوفاً بالسوء، فوجب أن يكون الموصوف بالسوء ما أفاده المثل من تكذيبهم بآيات الله تعالى وإعراضهم عنها، حتى صاروا في التمثيل بذلك بمنزلة الكلب اللاهث.
أما قوله تعالى :﴿وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ فإما أن يكون معطوفاً على قوله :﴿كَذَّبُوا ﴾ فيدخل حينئذ في حيز الصلة بمعنى الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم، وإما أن يكون كلاماً منقطعاً عن الصلة بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب، وإما تقديم المفعول، فهو للاختصاص كأنه قيل وخصوا أنفسهم بالظلم وما تعدى أثر ذلك الظلم عنهم إلى غيرهم.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٠٦
٤٠٨
في الآية مسألتان :


الصفحة التالية
Icon