جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤١٧
قلنا : الحق عندي أن ذلك غير لازم لا في حق الله تعالى، ولا في حق الملائكة والأنبياء وتقريره : أن لفظ "علم" ورد في حق الله تعالى في آيات منها قوله :﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاسْمَآءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة : ٣١) ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ﴾ (النساء : ١١٣) ﴿عَلَّمْنَـاهُ وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الكهف : ٦٥) ﴿الرَّحْمَـانُ * عَلَّمَ الْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن : ١، ٢) ثم لا يجوز أن يقال في حق الله تعالى يا معلم، وأيضاً ورد قوله :﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه ﴾ (المائدة : ٥٤) ثم لا يجوز عندي أن يقال يا محب. وأما في حق الأنبياء، فقد ورد في حق آدم عليه السلام :﴿وَعَصَى ا ءَادَمُ رَبَّه فَغَوَى ﴾ (طه : ١٢١) ثم لا يجوز أن يقال إن آدم كان عاصياً غاوياً، وورد في حق موسى عليه السلام ﴿إِحْدَاهُمَا يَـا أَبَتِ اسْتَـاْجِرْه ﴾ (القصص : ٢٦) ثم لا يجوز أن يقال إنه عليه السلام كان أجيراً/ والضابط أن هذه الألفاظ الموهمة يجب الاقتصار فيها على الوارد، فأما التوسع بإطلاق الألفاظ المشتقة منها فهي عندي ممنوعة غير جائزة.
ثم قال تعالى :﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فهو تهديد ووعيد لمن ألحد في أسماء الله. قالت المعتزلة : الآية قد دلت على إثبات العمل للعبد، وعلى أن الجزاء مفرع على عمله وفعله.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤١٧
٤١٨
اعلم أنه تعالى لما قال :﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالانسِ ﴾ فأخبر أن كثيراً من الثقلين مخلوقون للنار أتبعه بقوله :﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِه يَعْدِلُونَ﴾ ليبين أيضاً أن كثيراً منهم مخلوقان للجنة. واعلم أنه تعالى ذكر في قصة موسى قوله :﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى ا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِه يَعْدِلُونَ﴾ فلما أعاد الله تعالى هذا الكلام ههنا حمله أكثر المفسرين على أن المراد منه قوم محمد صلى الله عليه وسلّم، روى قتادة وابن جريج عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنها هذه الأمة وروى أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام قال :"هذه فيهم وقد أعطى الله قوم موسى مثلها" وعن الربيع بن أنس أنه قال : قرأ النبي صلى الله عليه وسلّم هذه الآية فقال :"إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم" وقال ابن عباس يريد أمة محمد عليه الصلاة والسلام المهاجرين والأنصار. قال الجبائي : هذه الآية تدل على أنه لا يخلو زمان البتة عمن يقوم بالحق ويعمل به ويهدي إليه وأنهم لا يجتمعون في شيء من الأزمنة على الباطل، لأنه لا يخلو إما أن يكون المراد زمان وجود محمد صلى الله عليه وسلّم، / وهو الزمان الذي نزلت فيه هذه الآية. أو المراد أنه قد حصل زمان من الأزمنة حصل فيه قوم بالصفة المذكورة، أو المراد ما ذكرنا أنه لا يخلو زمان من الأزمنة عن قوم موصوفين بهذه الصفة والأول باطل. لأنه قد كان ظاهراً لكل الناس أن محمداً وأصحابه على الحق، فحمل الآية على هذا المعنى يخرجه عن الفائدة، والثاني باطل أيضاً، لأن كل أحد يعلم بالضرورة أنه قد حصل زمان ما في الأزمنة الماضية حصل فيه جميع من المحقين، فلم يبق إلا القسم الثالث. وهو أدل على أنه ما خلا زمان عن قوم من المحقين وأن إجماعهم حجة، وعلى هذا التقدير فهذا يدل على أن إجماع سائر الأمم حجة.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤١٨
٤١٩
قوله تعالى :﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِـاَايَـاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِى لَهُم إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾.
اعلم أنه تعالى لما ذكر حال الأمة الهادية العادلة، أعاد ذكر المكذبين بآيات الله تعالى، وما عليهم من الوعيد، فقال :﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِـاَايَـاتِنَا﴾ وهذا يتناول جميع المكذبين، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : المراد أهل مكة، وهو بعيد، لأن صفة العموم يتناول الكل، إلا ما دل الدليل على خروجه منه.
وأما قوله :﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ فالاستدراج الاستفعال من الدرجة بمعنى الاستصعاد أو الاستنزال، درجة بعد درجة، ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه، وأدرج الكتاب طواه شيئاً بعد شيء ودرج القوم، مات بعضهم عقيب بعضهم، ويحتمل أن يكون هذا اللفظ مأخوذ من الدرج وهو لف الشيء وطيه جزأ فجزأ.