جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٢٥
ثم قال :﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً ﴾ وهذا أيضاً تأكيد لما تقدم وتقرير لكونها بحيث لا تجيء إلا بغتة فجأة على حين غفلة من الخلق. وعن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال :"إن الساعة تفجأ الناس، فالرجل يصلح موضعه، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقوم بسلعته في سوقه. والرجل يخفض ميزانه ويرفعه "وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال :"والذي نفس محمد بيده لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة إلى فيه حتى تحول الساعة بينه وبين ذلك".
ثم قال تعالى :﴿يَسْـاَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في الحفي وجوه : الأول : الحفي البار اللطيف قال ابن الأعرابي : يقال حفى بي حفاوة وتحفى بي تحفياً، والحفي الكلام واللقاء الحسن، ومنه قوله تعالى :﴿إِنَّه كَانَ بِى حَفِيًّا﴾ أي باراً لطيفاً يجيب دعائي إذا دعوته، فعلى هذا التقدير يسألونك كأنك بار بهم لطيف العشرة معهم / وعلى هذا قول الحسن وقتادة والسدي، ويؤيد هذا القول ما روي في تفسيره إن قريشاً قالت لمحمد عليه السلام : إن بيننا وبينك قرابة، فاذكر لنا متى الساعة. فقال تعالى :﴿يَسْـاَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ﴾ أي كأنك صديق لهم بار بمعنى أنك لا تكون حفياً بهم ما داموا على كفرهم.
والقول الثاني :﴿حَفِىٌّ عَنْهَا ﴾ أي كثير السؤال عنها شديد الطلب لمعرفتها، وعلى هذا القول ﴿حَفِىٌّ﴾ فعيل من الإحفاء وهو الإلحاح والإلحاف في السؤال، ومن أكثر السؤال والبحث عن الشيء علمه، قال أبو عبيدة هو من قولهم تحفى في المسألة، أي استقصى. فقوله :﴿كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ﴾ أي كأنك أكثرت السؤال عنها وبالغت في طلب علمها. قال صاحب "الكشاف" : هذا الترتيب يفيد المبالغة ومنه إحفاء الشارب، وإحفاء البقل استئصاله، وأحفى في المسألة إذا ألحف، وحفى بفلان وتحفى به بالغ في البر به، وعلى هذا التقدير : فالقولان الأولان متقاربان.
المسألة الثانية : في قوله :﴿عَنْهَا﴾ وجهان : الأول : أن يكون فيه تقديم وتأخير والتقدير : يسألونك عنها كأنك حفي بها ثم حذف قوله :"بها" لطول الكلام ولأنه معلوم لا يحصل الالتباس بسبب حذفه. والثاني : أن يكون التقدير : يسألونك كأنك حفي بهم لأن لفظ الحفي يجوز أن يعدى تارة بالباء وأخرى بكلمة عن ويؤكد هذا الوجه بقراءة ابن مسعود ﴿كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ﴾.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٢٥
المسألة الثالثة : قوله :﴿يَسْـاَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـاـاهَا ﴾ سؤال عن وقت قيام الساعة وقوله ثانياً :﴿يَسْـاَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ﴾ سؤال عن كنه ثقل الساعة وشدتها ومهابتها، فلم يلزم التكرار :
أجاب عن الأول بقوله :﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ﴾.
وأجاب عن الثاني بقوله :﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾ والفرق بين الصورتين أن السؤال الأول كان واقعاً عن وقت قيام الساعة. والسؤال الثاني كان واقعاً عن مقدار شدتها ومهابتها، وأعظم أسماء الله مهابة وعظمة هو قوله عند السؤال عن مقدار شدة القيامة الاسم الدال على غاية المهابة، وهو قولنا الله ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله :﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وفيه وجوه : أحدها : ولكن أكثر الناس لا يعلمون السبب الذي لأجله أخفيت معرفة وقته المعين عن الخلق.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٢٥
٤٢٦
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه : الأول : أن قوله :﴿لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلا ضَرًّا﴾ أي أنا لا أدعي علم الغيب إن أنا إلا نذير وبشير، ونظيره قوله تعالى في سورة يونس :﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَـاذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـادِقِينَ * قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلا مَا شَآءَ اللَّه لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾ (يونس : ٤٨، ٤٩) الثاني : روي أن أهل مكة قالوا : يا محمد ألا يخبرك ربك بالرخص والغلاء حتى نشتري فنربح، وبالأرض التي تجدب لنرتحل إلى الأرض الخصبة. فأنزل الله تعالى هذه الآية : الثالث : قال بعضهم : لما رجع عليه الصلاة والسلام من غزوة بني المصطلق جاءت ريح في الطريق ففرت الدواب منها، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلّم بموت رفاعة بالمدينة وكان فيه غيظ للمنافقين. وقال انظروا أي ناقتي، فقال عبدالله بن أبي مع قومه ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته. فقال عليه السلاة والسلام :"إن ناساً من المنافقين. قالوا كيت وكيت وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة" فوجدها على ما قال، فأنزل الله تعالى :﴿قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَآءَ اللَّه ﴾.


الصفحة التالية
Icon