المسألة الأولى : المروي عن ابن عباس ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وهي نفس آدم ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي حواء خلقها الله من ضلع آدم عليه السلام من غير أذى ﴿فَلَمَّا تَغَشَّـاـاهَا﴾ آدم ﴿حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِه ا فَلَمَّآ أَثْقَلَت﴾ أي ثقل الولد في بطنها أتاها إبليس في صورة رجل وقال : ما هذا يا حواء / إني أخاف أن يكون كلباً أو بهيمة وما يدريك من أين يخرج ؟
أمن دبرك فيقتلك أو ينشق بطنك ؟
فخافت حواء، وذكرت ذلك لآدم عليه السلام، فلم يزالا في هم من ذلك، ثم أتاها وقال : إن سألت الله أن يجعله صالحاً سوياً مثلك ويسهل خروجه من بطنك تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فذلك قوله :﴿فَلَمَّآ ءَاتَـاـاهُمَا صَـالِحًا جَعَلا لَه شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَـاـاهُمَا ﴾ أي لما آتاهما الله ولداً سوياً صالحاً جعلا له شريكاً أي جعل آدم وحواء له شريكاً، والمراد به الحرث هذا تمام القصة.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٣٠
واعلم أن هذا التأويل فاسد ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى قال :﴿فَتَعَـالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وذلك يدل على أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة. الثاني : أنه تعالى قال بعده :﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْـاًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (الأعراف : ١٩١) وهذا يدل على أن المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى، وما جرى لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر. الثالث : لو كان المراد إبليس لقال : أيشركون من لا يخلق شيئاً، ولم يقل ما لا يخلق شيئاً، لأن العاقل إنما يذكر بصيغة "من" لا بصيغة "ما" الرابع : أن آدم عليه السلام كان أشد الناس معرفة بإبليس، وكان عالماً بجميع الأسماء كما قال تعالى :﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاسْمَآءَ كُلَّهَا﴾ فكان لا بد وأن يكون قد علم أن اسم إبليس هو الحرث فمع العداوة الشديدة التي بينه وبين آدم ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث ؟
وكيف ضاقت عليه الأسماء حتى أنه لم يجد سوى هذا الاسم ؟
الخامس : أن الواحد منا لو حصل له ولد يرجو منه الخير والصلاح، فجاءه إنسان ودعاه إلى أن يسميه بمثل هذه الأسماء لزجره وأنكر عليه أشد الإنكار. فآدم عليه السلام مع نبوته وعلمه الكثير الذي حصل من قوله :﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاسْمَآءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة : ٣١) وتجاربه الكثيرة التي حصلت له بسبب الزلة التي وقع فيها لأجل وسوسة إبليس، كيف لم يتنبه لهذا القدر وكيف لم يعرف أن ذلك من الأفعال المنكرة التي يجب على العاقل الاحتراز منها السادس : أن بتقدير أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فلا يخلو إما أن يقال إنه جعل هذا اللفظ اسم علم له، أو جعله صفة له، بمعنى أنه أخبر بهذا اللفظ أنه عبد الحرث ومخلوق من قبله. فإن كان الأول لم يكن هذا شركاً بالله لأن أسماء الأعلام والألقاب لا تفيد في المسميات فائدة، فلم يلزم من التسمية بهذا اللفظ حصول الإشراك، وإن كان الثاني كان هذا قولاً بأن آدم عليه السلام اعتقد أن لله شريكاً في الخلق والإيجاد والتكوين وذلك يوجب الجزم بتكفير آدم/ وذلك لا يقوله عاقل. فثبت بهذه الوجوه أن هذا القول فاسد ويجب على العاقل المسلم أن لا يلتفت إليه.
إذا عرفت هذا فنقول : في تأويل الآية وجوه صحيحة سليمة خالية عن هذه المفاسد.
التأويل الأول : ما ذكره القفال فقال : إنه تعالى ذكر هذه القصة على تمثيل ضرب المثل / وبيان أن هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم، وقولهم بالشرك، وتقرير هذا الكلام كأنه تعالى يقول : هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية، فلما تغشى الزوج زوجته وظهر الحمل، دعا الزوج والزوجة ربهما لئن آتيتنا ولداً صالحاً سوياً لنكونن من الشاكرين لالائك ونعمائك. فلما آتاهما الله ولداً صالحاً سوياً، جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما، لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع كما هو قول الطبائعيين، وتارة إلى الكواكب كما هو قول المنجمين، وتارة إلى الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٣٠
ثم قال تعالى :﴿فَتَعَـالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تنزه الله عن ذلك الشرك، وهذا جواب في غاية الصحة والسداد.
التأويل الثاني : بأن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وهم آل قصي، والمراد من قوله :﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ﴾ قصي ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا﴾ جنسـ ﴿مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ عربية قرشية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي جعلا له شركاء فيما آتاهما حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف، وعبد العزى، وعبد قصي، وعبد اللات، وجعل الضمير في ﴿يُشْرِكُونَ﴾ لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك.


الصفحة التالية
Icon