والجواب عن الثاني : وهو أن الجمع بالواو والنون في غير من يعقل كيف يجوز ؟
فنقول : لما اعتقد عابدوها أنها تعقل وتميز فورد هذا اللفظ بناء على ما يعتقدونه ويتصورونه، ونظيره قوله تعالى :﴿وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (الأنبياء : ٣٣) وقوله :﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَـاجِدِينَ﴾ (يوسف : ٤) وقوله :﴿نَمْلَةٌ يَـا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَـاكِنَكُمْ﴾ (النمل : ١٨).
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٣٢
المسألة الثانية : قوله :﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْـاًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن العبد غير موجد ولا خالق لأفعاله، قالوا : لأنه تعالى طعن في إلهية الأجسام بسبب أنها لا تخلق شيئاً وهذا الطعن إنما يتم لو قلنا إن بتقدير أنها كانت خالقة لشيء لم يتوجه الطعن في إلهيتها، وهذا يقتضي أن كل من كان خالقاً كان إلهاً، فلو كان العبد خالقاً لأفعال نفسه كان إلهاً ولما كان ذلك باطلاً، علمنا أن العبد غير خالق لأفعال نفسه.
أما قوله تعالى :﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ يريد أن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تنتصر ممن عصاها. والنصر : المعونة على العدو والمعنى أن المعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال النفع ودفع الضرر وهذه الأصنام ليست كذلك. فكيف يليق بالعاقل عبادتها ؟
ثم قال :﴿وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ أي ولا يدفعون عن أنفسهم مكروهاً فإن من أراد كسرهم لم يقدروا على دفعه.
ثم قال :﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ واعلم أنه تعالى لما أثبت بالآية المتقدمة أنه لا قدرة لهذه الأصنام على أمر من الأمور، بين بهذه الآية أنه لا علم لها بشيء من الأشياء، والمعنى أن هذا المعبود الذي يعبده المشركون معلوم من حاله أنه كما لا ينفع ولا يضر، فكذا لا يصح فيه إذا دعى إلى الخير الأتباع. ولا يفصل حال من يخاطبه ممن يسكت عنه، ثم قوى هذا الكلام بقوله :﴿سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَـامِتُونَ﴾ وهذا مثل قوله :﴿سَوَا ءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾ (البقرة : ٦) وذكرنا ما فيه من المباحث في تلك الآية إلا أن الفرق في تلك الآية عطف الفعل على الفعل، وههنا عطف الاسم على الفعل، لأن قوله :﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ جملة فعلية : وقوله :﴿أَمْ أَنتُمْ صَـامِتُونَ﴾ جملة إسمية.
واعلم أنه ثبت أن عطف الجملة الإسمية على الفعلية لا يجوز إلا لفائدة وحكمة، وتلك الفائدة هي أن صيغة الفعل مشعرة بالتجدد والحدوث حالاً بعد حال، وصيغة الاسم مشعرة بالدوام والثبات والاستمرار.
إذا عرفت هذا فنقول : إن هؤلاء المشركين كانوا إذا وقعوا في مهم وفي معضلة تضرعوا إلى تلك الأصنام، وإذا لم تحدث تلك الواقعة بقوا ساكتين صامتين، فقيل لهم لا فرق بين إحداثكم دعاءهم وبين أن تستمروا على صمتكم وسكوتكم، فهذا هو الفائدة في هذه اللفظة، ثم أكد الله بيان أنها لا تصلح للإلهية، فقال :﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ وفيه سؤال : وهو أنه كيف يحسن وصفها بأنها عباد مع أنها جمادات ؟
وجوابه من وجوه : الأول : أن المشركين لما / ادعوا أنها تضر وتنفع، وجب أن يعتقدوا فيها كونها عاقلة فاهمة، فلا جرم وردت هذه الألفاظ على وفق معتقداتهم، ولذلك قال :﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ ولم يقل فادعوهم فليستجبن لكم وقال :﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ ولم يقل التي.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٣٢
والجواب الثاني : أن هذا اللغو أورد في معرض الاستهزاء بهم أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء، فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ولا فضل لهم عليكم، فلم جعلتم أنفسكم عبيداً وجعلتموها آلهة وأرباباً ؟
ثم أبطل أن يكونوا عباداً أمثالكم. فقال :﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ ﴾ (الأعراف : ١٩٥) ثم أكد هذا البيان بقوله :﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ ومعنى هذا الدعاء طلب المنافع وكشف المضار من جهتهم واللام في قوله :﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا ﴾ لام الأمر على معنى التعجيز والمعنى أنه لما ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على الإجابة ظهر أنها لا تصلح للمعبودية، ونظيره قول إبراهيم عليه السلام لأبيه :﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِى عَنكَ شَيْـاًا﴾ (مريم : ٤٢) وقوله :﴿إِن كُنتُمْ صَـادِقِينَ﴾ أي في ادعاء أنها آلهة ومستحقة للعبادة، ولما ثبت بهذه الدلائل الثلاثة اليقينية أنها لا تصلح للمعبودية، وجب على العاقل أن لا يلتفت إليها، وأن لا يشتغل إلا بعباده الإله القادر العالم الحي الحكيم الضار النافع.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٣٢
٤٣٣


الصفحة التالية
Icon