المسألة الثانية : أن وليي الله أي الذي يتولى حفظي ونصرتي هو الله الذي أنزل الكتاب المشتمل على هذه العلوم العظيمة النافعة في الدين ويتولى الصالحين ينصرهم، فلا تضرهم عداوة من عاداهم، وفي ذلك يأمن المشركين من أن يضره كيدهم. وسمعت أن عمر بن عبد العزيز ما كان يدخر لأولاده شيئاً، فقيل له فيه فقال : ولدي إما أن يكون من الصالحين أو من المجرمين، فإن كان من الصالحين فوليه الله ومن كان الله له ولياً فلا حاجة له إلى مالي، وإن كان من المجرمين فقد قال تعالى :﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ (القصص : ١٧) ومن رده الله لم أشتغل بإصلاح مهماته.
أما قوله :﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِه لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ ففيه قولان :
القول الأول : أن المراد منه وصف الأصنام بهذه الصفات.
فإن قالوا : فهذه الأشياء قد صارت مذكورة في الآيات المتقدمة فما الفائدة في تكريرها ؟
فنقول : قال الواحدي : إنما أعيد هذا المعنى لأن الأول مذكور على جهة التقريع وهذا مذكور على جهة الفرق بين من تجوز له العبادة، وبين من لا تجوز، كأنه قيل : الإله المعبود يجب أن يكون بحيث يتولى الصالحين، وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تكن صالحة للإلهية.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٣٤
والقول الثاني : أن هذه الأحوال المذكورة صفات لهؤلاء المشركين الذين يدعون غير الله، يعني أن الكفار كانوا يخوفون رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأصحابه فقال تعالى : إنهم لا يقدرون على شيء. بل إنهم قد بلغوا في الجهل والحماقة إلى أنك لو دعوتهم وأظهرت أعظم أنواع الحجة والبرهان لم يسمعوا بعقولهم ذلك البتة.
فإن قيل : لم يتقدم ذكر المشركين، وإنما تقدم ذكر الأصنام فكيف يصح ما ذكر ؟
قلنا : قد تقدم ذكرهم في قوله تعالى :﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ﴾ (الأعراف : ١٩٥) أما قوله تعالى :﴿وَتَرَاـاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ فإن حملنا هذه الصفات على الأصنام. قلنا : المراد من كونها ناظرة كونها مقابلة بوجهها وجوه القوم من قولهم : جبلان متناظران أي متقابلان، فإن حملناها على المشركين فالمعنى : أنهم وإن كانوا ينظرون إلى الناس إلا أنهم لشدة إعراضهم عن الحق لم ينتفعوا بذلك النظر والرؤية/ فصاروا كأنهم عمي، وهذه الآية تدل على أن النظر غير الرؤية، لأنه تعالى أثبت النظر ونفي الرؤية، وذلك يدل على التغاير، وأجيب عن هذا الاستدلال فقيل : معناه تحسبهم أنهم ينظرون إليك مع أنهم في الحقيقة لا ينظرون، أي تظن أنهم ينظرونك مع أنهم لا يبصرونك، والرؤية بمعنى الحسبان واردة قال تعالى :﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَـارَى وَمَا هُم بِسُكَـارَى ﴾ (الحج : ٢).
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٣٤
٤٣٥
اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الله هو الذي يتولاه، وأن الأصنام وعابديها لا يقدرون على الإيذاء والإضرار، بين في هذه الآية ما هو المنهج القويم والصراط المستقيم في معاملة الناس فقال :﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ قال أهل اللغة : العفو الفضل وما أتي من غير كلفة.
إذا عرفت هذا فنقول : الحقوق التي تستوفى من الناس وتؤخذ منهم، إما أن يجوز إدخال المساهلة والمسامحة فيها، وإما أن لا يجوز.
أما القسم الأول : فهو المراد بقوله :﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ ويدخل فيه ترك التشدد في كل ما يتعلق بالحقوق المالية ؛ ويدخل فيه أيضاً التخلق مع الناس بالخلق الطيب، وترك الغلظة والفظاظة كما قال تعالى :﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ انفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ (آل عمران : ١٥٩) ومن هذا الباب أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بالرفق واللطف، كما قال تعالى :﴿وَجَـادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ﴾ (النحل : ١٢٥).