المسألة الثالثة : احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية وقالوا : لولا أنه يجوز من الرسول الإقدام على المعصية أو الذنب، وإلا لم يقل له ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَـانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّه ﴾ والجواب عنه من وجوه : الأول : أن حاصل هذا الكلام أنه تعالى قال له : إن حصل في قلبك من الشيطان نزغ، كما أنه تعالى قال :﴿ لئن أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (الزمر : ٦٥) ولم يدل ذلك على أنه أشرك. وقال :﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ (الأنبياء : ٢٢) ولم يدل ذلك على أنه حصل فيهما آلهة. الثاني : هب أنا سلمنا أن الشيطان يوسوس للرسول عليه السلام، إلا أن هذا لا يقدح في عصمته، إنما القادح / في عصمته لو قبل الرسول وسوسته، والآية لا تدل على ذلك. عن الشعبي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم :"ما من إنسان إلا ومعه شيطان" قالوا : وأنت يا رسول الله قال : وأنا ولكنه أسلم بعون الله، فلقد أتاني فأخذت بحلقه، ولولا دعوة سليمان لأصبح في المسجد طريحاً، وهذا كالدلالة على أن الشيطان يوسوس إلى الرسول صلى الله عليه وسلّم، وقال تعالى :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّه لا إِلَـاهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الحج : ٥٢) الثالث : هب أنا سلمنا أن الشيطان يوسوس. وأنه عليه الصلاة والسلام يقبل أثر وسوسته، إلا أنا نخص هذه الحالة بترك الأفضل والأولى. قال عليه الصلاة والسلام :"وإنه ليغان على قلبي وإني لا أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة".
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٣٦
المسألة الرابعة : الاستعاذة بالله عند هذه الحالة أن يتذكر المرء عظيم نعم الله عليه وشديد عقابه فيدعوه كل واحد من هذين الأمرين إلى الإعراض عن مقتضى الطبع والإقبال على أمر الشرع.
المسألة الخامسة : هذا الخطاب وإن خص الله به الرسول إلا أنه تأديب عام لجميع المكلفين لأن الاستعاذة بالله على السبيل الذي ذكرناه لطف مانع من تأثير وساوس الشيطان، ولذلك قال تعالى :﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَـانِ الرَّجِيمِ * إِنَّه لَيْسَ لَه سُلْطَـانٌ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل : ٩٧، ٩٨) إذا ثبت بالنص أن لهذه الاستعاذة أثراً في دفع نزع الشيطان/ وجبت المواظبة عليه في أكثر الأحوال.
المسألة السادسة : قوله :﴿إِنَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يدل على أن الاستعاذة باللسان لا تفيد إلا إذا حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة، فكأنه تعالى قال : اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع واستحضر معاني الاستعاذة بعقلك وقلبك فإني عليم بما في ضميرك، وفي الحقيقة القول اللساني بدون المعارف القلبية عديم الفائدة والأثر.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٣٦
٤٣٨
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أن الرسول صلى الله عليه وسلّم قد ينزغه الشيطان وبين أن علاج هذه الحالة الاستعاذة بالله، ثم بين في هذه الآية أن حال المتقين يزيد على حال الرسول في هذا الباب، لأن الرسول لا يحصل له من الشيطان إلا النزغ الذي هو كالابتداء في الوسوسة، وجوز في المتقين ما يزيد عليه وهو أن يمسهم طائف من الشيطان، وهذا المس يكون لامحالة أبلغ من النزغ.
المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بغير ألف، والباقون ﴿مَسَّهُمْ طَـا اـاِفٌ﴾ بالألف. قال الواحدي رحمه الله : اختلفوا في الطيف فقيل إنه مصد، وقال أبو زيد يقال : طاف يطوف طوفاً وطوافاً إذا أقبل وأدبر. وأطاف يطيف إطافة إذا جعل يستدير بالقوم ويأتيهم من نواحيهم، وطاف الخيال يطيف طيفاً إذا ألم في المنام. قال ابن الأنباري : وجائز أن يكون طيف أصله طيف. إلا أنهم استثقلوا التشديد، فحذفوا إحدى الياءين وأبقوا ياء ساكنة، فعلى القول الأول هو مصدر، وعلى ما قاله ابن الأنباري هو من باب هين وهين وميت وميت، ويشهد لصحة قول ابن الأنباري قراءة سعيد بن جبير ﴿إِذَا مَسَّهُمْ﴾ بالتشديد. هذا هو الأصل في الطيف، ثم سمى الجنون والغضب والوسوسة طيفاً، لأنه لمة من لمة الشيطان تشبه لمة الخيال. قال الأزهري : الطيف في كلام العرب الجنون، ثم قيل للغضب طيف، لأن الغضبان يشبه المجنون. وأما الطائف فيجوز أن يكون بمعنى الطيف، مثل العافية والعاقبة ونحو ذلك مما جاء المصدر فيه على فاعل وفاعلة. قال الفراء في هذه الآية : الطائف والطيف سواء، وهو ما كان كالخيال الذي يلم بالإنسان، ومنهم من قال : الطيف كالخطرة والطائف كالخاطر.
جزء : ١٥ رقم الصفحة : ٤٣٨