الحجة الخامسة : ولد الحيوان إنما يكون ولداً له بشرطين : إذا كان مساوياً له في الطبيعة والحقيقة، ويكون ابتداء وجوده وتكونه منه، وهذا في حق الله تعالى محال، لأنه تعالى غني مطلقاً، وكل من كان غنياً مطلقاً كان واجب الوجود لذاته، فلو كان لواجب الوجود ولد، لكان ولده مساوياً له. فيلزم أن يكون ولد واجب الوجود أيضاً واجب الوجود، لكن كونه واجب الوجود يمنع من تولده من غيره، وإذا لم يكن متولداً من غيره لم يكن ولداً، فثبت أن كونه تعالى غنياً من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا ولد له، وهذه الثلاثة مع الثلاثة الأول في غاية القوة.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٢٨٢
الحجة السادسة : أنه تعالى غني، وكل من كان غنياً امتنع أن يكون له أب وأم، وكل من تقدس عن الوالدين وجب أن يكون مقدساً عن الأولاد.
فإن قيل : يشكل هذا بالوالد الأول ؟
قلنا : الوالد الأول لا يمتنع كونه ولداً لغيره، لأنه سبحانه وتعالى قادر على أن يخلق الوالد الأول من أبوين يقدمانه أما الحق سبحانه فإنه يمتنع افتقاره إلى الأبوين، وإلا لما كان غنياً مطلقاً.
الحجة السابعة : إنه تعالى غني مطلقاً، وكل من كان غنياً مطلقاً امتنع أن يفتقر في إحداث الأشياء إلى غيره.
إذا ثبت هذا فنقول : هذا الولد، إما أن يكون قديماً أو حادثاً، فإن كان قديماً فهو واجب الوجود لذاته، آذ لو كان ممكن الوجود لافتقر إلى المؤثر، وافتقار القديم إلى المؤثر يقتضي إيجاد الموجود وهو محال، وإذا كان واجب الوجود لذاته لم يكن ولداً لغيره/ بل كان موجوداً مستقلاً بنفسه، وأما إن كان هذا الولد حادثاً والحق سبحانه غني مطلقاً فكان قادراً على إحداثه ابتداء من غير تشريك شيء آخر، فكان هذا عبداً مطلقاً، ولم يكن ولداً، فهذه جملة الوجوه المستنبطة من قوله :﴿هُوَ الْغَنِىُّ﴾ الدالة على أنه يمتنع أن يكون له ولد.
أما قوله :﴿لَّه مَا فِي السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِي الارْضِ ﴾ فاعلم أنه نظير قوله :﴿إِن كُلُّ مَن فِى السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ إِلا ءَاتِى الرَّحْمَـن ِ عَبْدًا﴾ (مريم : ٩٣) وحاصله يرجع إلى أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن، وكل ممكن محتاج، وكل محتاج محدث، فكل ما سوى الواحد الأحد الحق محدث، والله تعالى محدثه وخالقه وموجده وذلك يدل على فساد القول بإثبات الصاحبة والولد، ولما بين تعالى بالدليل الواضح امتناع ما أضافوا إليه، عطف عليهم بالإنكار والتوبيخ فقال :﴿إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَـانا بِهَـاذَآ ﴾ منبهاً بهذا على أنه لا حجة عندهم في ذلك ألبتة. ثم بالغ في ذلك الإنكار فقال :﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ وقد / ذكرنا أن هذه الآية يحتج بها في إبطال التقليد في أصول الديانات ونفاة القياس وأخبار الآحاد قد يحتجون بها في إبطال هذين الأصلين وقد سبق الكلام فيه.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٢٨٢
٢٨٢
اعلم أنه تعالى لما بين بالدليل القاهر أن إثبات الولد لله تعالى قول باطل ثم بين أنه ليس لهذا القائل دليل على صحة قوله، فقد ظهر أن ذلك المذهب افتراء على الله ونسبه لما لا يليق به إليه، فبين أن من هذا حاله فإنه لا يفلح ألبتة ألا ترى أنه تعالى قال في أول سورة المؤمنون :﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون : ١) وقال في آخر هذه السورة :﴿إِنَّه لا يُفْلِحُ الْكَـافِرُونَ﴾ (المؤمنون : ١١٧).
واعلم أن قوله :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ يدخل فيه هذه الصورة ولكنه لا يختص بهذه الصورة بل كل من قال في ذات الله تعالى وفي صفاته قولاً بغير علم وبغير حجة بينة كان داخلاً في هذا الوعيد، ومعنى قوله :﴿لا يُفْلِحُ﴾ قد ذكرناه في أول سورة البقرة في قوله تعالى :﴿وَ أولئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران : ١٠٤) وبالجملة فالفلاح عبارة عن الوصول إلى المقصود والمطلوب، فمعنى أنه لا يفلح هو أنه لا ينجح في سعيه ولا يفوز بمطلوبه بل خاب وخسر، ومن الناس من إذا فاز بشيء من المطالب العاجلة والمقاصد الخسيسة، ظن أنه قد فاز بالمقصد الأقصى، والله سبحانه أزال هذا الخيال بأن قال : إن ذلك المقصود الخسيس متاع قليل في الدنيا، ثم لا بد من الموت، وعند الموت لا بد من الرجوع إلى الله وعند هذا الرجوع لا بد من أن يذيقه العذاب الشديد بسبب ذلك الكفر المتقدم، وهذا كلام في غاية الانتظام ونهاية الحسن والجزالة. والله أعلم.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٢٨٢
٢٨٦