اعلم أن هذا الكلام غني عن التفسير وفيه سؤال واحد، وهو أن القوم لما قالوا :﴿إِنَّ هَـاذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ فكيف حكى موسى عليه السلام أنهم قالوا :﴿أَسِحْرٌ هَـاذَا﴾ على سبيل الاستفهام ؟
وجوابه : أن موسى عليه السلام ما حكى عنهم أنهم قالوا :﴿أَسِحْرٌ هَـاذَا﴾ بل قال :﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ﴾ ما تقولون، ثم حذف عنه مفعول ﴿أَتَقُولُونَ﴾ لدلالة الحال عليه، ثم قال مرة أخرى ﴿أَسِحْرٌ هَـاذَا﴾ وهذا استفهام على سبيل الإنكار، ثم احتج على أنه ليس بسحر، وهو قوله :﴿وَلا يُفْلِحُ السَّـاحِرُونَ﴾ يعني أن حاصل صنعهم تخييل وتمويه ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّـاحِرُونَ﴾ وأما قلب العصا حية وفلق البحر، فمعلوم بالضرورة أنه ليس من باب التخييل والتمويه فثبت أنه ليس بسحر.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٢٨٧
٢٨٨
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى حكى عن فرعون وقومه أنهم لم يقبلوا دعوة موسى عليه السلام، وعللوا عدم القبول بأمرين : الأول : قوله :﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا﴾ قال الواحدي : اللفت في أصل اللغة الصرف عن أمر، وأصله اللي يقال : لفت عنقه إذا لواها، ومن هذا يقال : التفت إليه، أي أمال وجهه إليه. قال الأزهري : لفت الشيء وفتله إذا لواه، وهذا من المقلوب.
واعلم أن حاصل هذا الكلام أنهم قالوا : لا نترك الدين الذي نحن عليه، لأنا وجدنا آبائنا عليه، فقد تمسكوا بالتقليد ودفعوا الحجة الظاهرة بمجرد الإصرار.
والسبب الثاني : في عدم القبول قوله :﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَآءُ فِى الارْضِ﴾ قال المفسرون : المعنى ويكون لكما الملك والعز في أرض مصر، والخطاب لموسى وهرون. قال الزجاج : سمى الملك كبرياء، لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا، وأيضاً فالنبي إذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه، فصار أكبر القوم.
واعلم أن السبب الأول : إشارة إلى التمسكل بالتقليد، والسبب الثاني : إشارة إلى الحرص على طلب / الدنيا، والجد في بقاء الرياسة، ولما ذكر القوم هذين السببين صرحوا بالحكم وقالوا :﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾.
واعلم أن القوم لما ذكروا هذه المعاني حاولوا بعد ذلك، وأرادوا أن يعارضوا معجزة موسى عليه السلام بأنواع من السحر، ليظهروا عند الناس أن ما أتى به موسى من باب السحر، فجمع فرعون السحرة وأحضرهم، ﴿قَالَ لَهُم مُّوسَى ا أَلْقُوا مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ﴾.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٢٨٨
فإن قيل : كيف أمرهم بالكفر والسحر والأمر بالكفر كفر ؟
قلنا : إنه عليه السلام أمرهم بإلقاء الحبال والعصي، ليظهر للخلق أن ما أتوا به عمل فاسد وسعي باطل، لا على طريق أنه عليه السلام أمرهم بالسحر، فلما ألقوا حبالهم وعصيهم قال لهم موسى ما جئتم به هو السحر الباطل، والغرض منه أن القوم قالوا لموسى : إن ما جئت به سحر، فذكر موسى عليه السلام أن ما ذكرتموه باطل، بل الحق أن الذي جئتم به هو السحر والتمويه الذي يظهر بطلانه، ثم أخبرهم بأن الله تعالى يحق الحق ويبطل الباطل، وقد أخبر الله تعالى في سائر السور أنه كيف أبطل ذلك السحر، وذلك بسبب أن ذلك الثعبان قد تلقف كل تلك الجبال والعصي.
المسألة الثانية : قوله :﴿مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ ﴾ ما ههنا موصولة بمعنى الذي وهي مرتفعة بالابتداء، وخبرها السحر، قال الفراء : وإنما قال :﴿السِّحْرُ ﴾ بالألف واللام، لأنه جواب كلام سبق ألا ترى أنهم قالوا : لما جاءهم موسى هذا سحر، فقال لهم موسى : بل ما جئتم به السحر، فوجب دخول الألف واللام، لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة، يقول الرجل لغيره : لقيت رجلاً فيقول له من الرجل فيعيده بالألف واللام، ولو قال له من رجل لم يقع في فهمه أنه سأله عن الرجل الذي ذكره له. وقرأ أبو عمرو :﴿السِّحْرُ ﴾ بالاستفهام/ وعلى هذه القراءة ما استفهامية مرتفع بالابتداء، وجئتم به في موضع الخبر كأنه قيل : أي شيء جئتم به. ثم قال على وجه التوبيخ والتقريع :﴿السِّحْرُ ﴾ كقوله تعالى :﴿قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِى﴾ (المائدة : ١١٦) والسحر بدل من المبتدأ، ولزم أن يلحقه الاستفهام ليساوي المبدل منه في أنه استفهام، كما تقول كم مالك أعشرون أم ثلاثون ؟
فجعلت أعشرون بدلاً من كم، ولا يلزم أن يضمر للسحر خبر، لأنك إذا أبدلته من المبتدأ صار في موضعه وصار ما كان خبراً عن المبدل منه خبراً عنه.
ثم قال تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُه ا ﴾ أي سيهلكه ويظهر فضيحة صاحبه ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي لا يقويه ولا يكمله.
ثم قال :﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾ ومعنى إحقاق الحق إظهاره وتقويته. وقوله :﴿بِكَلِمَـاتِه ﴾ أي بوعده / موسى. وقيل بما سبق من قضائه وقدره، وفي كلمات الله أبحاث غامضة عميقة عالية، وقد ذكرناها في بعض مواضع من هذا الكتاب.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٢٨٨
٢٨٩