وإذا ثبت هذا فنقول : وجب تأويل هذه الكلمة وذلك من وجوه : الأول : أن اللام في قوله ﴿لِيُضِلُّوا ﴾ لام العاقبة كقوله تعالى :﴿فَالْتَقَطَه ا ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ﴾ (القصص : ٨) ولما كانت عاقبة قوم فرعون هو الضلال، وقد أعلمه الله تعالى، لا جرم عبر عن هذا المعنى بهذا اللفظ. الثاني : أن قوله :﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ ﴾ أي لئلا يضلوا عن سبيلك، فحذف لا لدلالة المعقول عليه كقوله :﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ﴾ (النساء : ١٧٦) والمراد أن لا تضلوا، وكقوله تعالى :﴿قَالُوا بَلَى ا شَهِدْنَآا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَـامَةِ﴾ (الأعراف : ١٧٢) والمراد لئلا تقولوا، ومثل هذا الحذف كثير في الكلام. الثالث : أن يكون موسى عليه السلام ذكر ذلك على سبيل التعجب المقرون بالإنكار والتقدير كأنك آتيتهم ذلك الغرض فإنهم لا ينفقون هذه الأموال إلا فيه وكأنه قال : آتيتهم زينة وأموالاً لأجل أن يضلوا عن سبيل الله ثم حذف حرف الاستفهام كما في قول الشاعر :
كذبتك عينك أم رأيت بواسط
غلس الظلام من الرباب خيالا
أراد أكذبتك فكذا ههنا. الرابع : قال بعضهم : هذه اللام لام الدعاء وهي لام مكسورة تجزم المستقل ويفتتح بها الكلام، فيقال ليغفر الله للمؤمنين وليعذب الله الكافرين، والمعنى ربنا ابتلهم بالضلال عن سبيلك. الخامس : أن هذه اللام لام التعليل لكن بحسب ظاهر الأمر لا في نفس الحقيقة وتقريره أنه تعالى لما أعطاهم هذه الأموال وصارت تلك الأموال سبباً لمزيد البغي والكفر، أشبهت هذه الحالة حالة من أعطى المال لأجل الإضلال فورد هذا الكلام بلفظ التعليل لأجل هذا المعنى. السادس : بينا في تفسير قوله تعالى :﴿يُضِلُّ بِه كَثِيرًا﴾ في أول سورة البقرة إن الضلال قد جاء في القرآن بمعنى الهلاك يقال : الماء في اللبن أي هلك فيه.
إذا ثبت هذا فنقول : قوله :﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ ﴾ معناه : ليهلكون ويموتوا، ونظيره قوله تعالى :﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلَـادُهُم إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَواةِ الدُّنْيَا﴾ (التوبة : ٥٥) فهذا جملة ما قيل في هذا الباب.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٢٩٥
واعلم أنا قد أجبنا عن هذه الوجوه مراراً كثيرة في هذا الكتاب، ولا بأس بأن نعيد بعضها في هذا المقام فنقول : الذي يدل على أن حصول الإضلال من الله تعالى وجوه : الأول : أن العبد لا يقصد إلا حصول الهداية، فلما لم تحصل الهداية بل حصل الضلال الذي لا يريده، علمنا أن حصوله ليس من العبد بل من الله تعالى.
قوله تعالى :﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّه وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ ثم نقل عن بعض أصحابنا أنه قرأ ﴿فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار، ثم إنه استبعد هذه القراءة وقال إنها تقتضي تحريف القرآن وتغييره وتفتح باب تأويلات الباطنية وبالغ في إنكار تلك القراءة وهذا الوجه الذي ذكره ههنا شر من ذلك، لأنه قلب النفي إثباتاً والإثبات نفياً وتجويزه يفتح باب أن لا يبقى الاعتماد على القرآن لا في نفيه ولا في إثباته وحينئذ يبطل القرآن بالكلية هذا بعينه هو الجواب عن قوله المراد منه الاستفهام بمعنى الإنكار، فإن تجويزه يوجب تجويز مثله في سائر المواطن، فلعله تعالى إنما قال :﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَواةَ وَاتَّقُوه وَهُوَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ على سبيل الإنكار والتعجب وأما بقية الجوابات فلا يخفى ضعفها.
ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه قال :﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى ا أَمْوَالِهِمْ﴾ وذكرنا معنى الطمس عند قوله تعالى :﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا﴾ (النساء : ٤٧) والطمس هو المسخ. قال ابن عباس رضي الله عنهما : بلغنا أن الدراهم والدنانير، صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحاً وأنصافاً وأثلاثاً، وجعل سكرهم حجارة.
ثم قال :﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ومعنى الشد على القلوب الاستيثاق منها حتى لا يدخلها الإيمان. قال الواحدي : وهذا دليل على أن الله تعالى يفعل ذلك بمن يشاء، ولولا ذلك لما حسن من موسى عليه السلام هذا السؤال.
ثم قال :﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الالِيمَ﴾ وفيه وجهان : أحدهما : أنه يجوز أن يكون معطوفاً على قوله :﴿لِيُضِلُّوا ﴾ والتقدير : ربنا ليضلوا عن سبيلك فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم وقوله :﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى ا أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ يكون اعتراضاً. والثاني : يجوز أن يكون جواباً لقوله :﴿وَاشْدُدْ﴾ والتقدير : اطبع على قلوبهم وقسها حتى لا يؤمنوا، فإنها تستحق ذلك.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٢٩٥


الصفحة التالية
Icon