ثم قال في آخر الآية :﴿فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ يعني لو اشتغلت بطلب المنفعة والمضرة من غير الله فأنت من الظالمين، لأن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه، فإذا كان ما سوى / الحق معزولاً عن التصرف، كانت إضافة التصرف إلى ما سوى الحق وضعاً للشيء في غير موضعه فيكون ظلماً.
فإن قيل : فطلب الشبع من الأكل والري من الشرب هل يقدح في ذلك الإخلاص ؟
قلنا : لا لأن وجود الخبز وصفاته كلها بإيجاد الله وتكوينه، وطلب الانتفاع بشيء خلقه الله للانتفاع به لا يكون منافياً للرجوع بالكلية إلى الله، إلا أن شرط هذا الإخلاص أن لا يقع بصر عقله على شيء من هذه الموجودات إلا ويشاهد بعين عقله أنها معدومة بذواتها وموجودة بإيجاد الحق وهالكة بأنفسها وباقية بإبقاء الحق، فحينئذ يرى ما سوى الحق عدماً محضاً بحسب أنفسها ويرى نور وجوده وفيض إحسانه عالياً علي الكل.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٣٠٩
٣١٠
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه سبحانه وتعالى قرر في آخر هذه السورة أن جميع الممكنات مستندة إليه وجميع الكائنات محتاجة إليه، والعقول والهة فيه، والرحمة والجود والوجود فائض منه.
واعلم أن الشيء إما أن يكون ضاراً وإما أن يكون نافعاً، وإما أن يكون لا ضاراً ولا نافعاً، وهذان القسمان مشتركان في اسم الخير، ولما كان الضر أمراً وجودياً لا جرم قال فيه :﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ ولما كان الخير قد يكون وجودياً وقد يكون عدمياً، لا جرم لم يذكر لفظ الإمساس فيه بل قال :﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ والآية دالة على أن الضر والخير واقعان بقدرة الله تعالى وبقضائه فيدخل فيه الكفر والإيمان والطاعة والعصيان والسرور والآفات والخيرات والآلام واللذات والراحات والجراحات، فبين سبحانه وتعالى أنه إن قضى لأحد شراً فلا كاشف له إلا هو، وإن قضى لأحد خيراً فلا راد لفضله ألبتة ثم في الآية دقيقة أخرى، وهي أنه تعالى رجح جانب الخير على جانب الشر من ثلاثة أوجه : الأول : أنه تعالى لما ذكر إمساس الضر بين أنه لا كاشف له إلا هو، وذلك يدل على أنه تعالى يزيل المضار، لأن الاستثناء من النفي إثبات، ولما ذكر الخير لم / يقل بأنه يدفعه بل قال إنه لا راد لفضله، وذلك يدل على أن الخير مطلوب بالذات، وأن الشر مطلوب بالعرض كما قال النبي صلى الله عليه وسلّم رواية عن رب العزة أنه قال :"سبقت رحمتي غضبي" الثاني : أنه تعالى قال في صفة الخير :﴿يُصِيبُ بِه مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِه ﴾ وذلك يدل على أن جانب الخير والرحمة أقوى وأغلب. والثالث : أنه قال :﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وهذا أيضاً يدل على قوة جانب الرحمة وحاصل الكلام في هذه الآية أنه سبحانه وتعالى بين أنه منفرد بالخلق والإيجاد والتكوين والإبداع، وأنه لا موجد سواه ولا معبود إلا إياه، ثم نبه على أن الخير مراد بالذات، والشر مراد بالعرض وتحت هذا الباب أسرار عميقة، فهذا ما نقوله في هذه الآية.
المسألة الثانية : قال المفسرون : إنه تعالى لما بين في الآية الأولى في صفة الأصنام أنها لا تضر ولا تنفع، بين في هذه الآية أنها لا تقدر أيضاً على دفع الضرر الواصل من الغير، وعلى الخير الواصل من الغير. قال ابن عباس رضي الله عنهما :﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُه ا وَتِلْكَ الايَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ يعني بمرض وفقر فلا دافع له إلا هو.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٣١٠
وأما قوله :﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ فقال الواحدي : هو من المقلوب معناه وإن يرد بك الخير ولكنه لما تعلق كل واحد منهما بالآخر جاز إبدال كل واحد منهما بالآخر، وأقول التقديم في اللفظ يدل على زيادة العناية فقوله :﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ يدل على أن المقصود هو الإنسان وسائر الخيرات مخلوقة لأجله، فهذه الدقيقة لا تستفاد إلا من هذا التركيب.
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٣١٠
٣١٢
واعلم أنه تعالى لما قرر الدلائل المذكورة في التوحيد والنبوة والمعاد وزين آخر هذه السورة بهذه البيانات الدالة على كونه تعالى مستبداً بالخلق والإبداع والتكوين والاختراع، ختمها بهذه الخاتمة الشريفة العالية، وفي تفسيرها وجهان : الأول : أنه من حكم له في الأزل بالاهتداء، فسيقع له ذلك، ومن حكم له بالضلال فكذلك ولا حيلة في دفعه. الثاني : وهو الكلام اللائق بالمعتزلة قال القاضي : إنه تعالى بين أنه أكمل الشريعة وأزاح العلة وقطع المعذرة ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِه ا وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ فلا يجب علي من السعي في إيصالكم إلى الثواب العظيم، وفي تخليصكم من العذاب الأليم أزيد مما فعلت. قال ابن عباس : هذه الآية منسوخة بآية القتال.
ثم إنه تعالى ختم هذه الخاتمة بخاتمة أخرى لطيفة فقال :﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى ا إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّه وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.
والمعنى أنه تعالى أمره باتباع الوحي والتنزيل، فإن وصل إليه بسبب ذلك الاتباع مكروه فليصبر عليه إلى أن يحكم الله فيه وهو خير الحاكمين. وأنشد بعضهم في الصبر شعراً فقال :
سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري
وأصبر حتى يحكم الله في أمري
أصبر حتى يعلم الصبر أنني
صبرت على شيء أمر من الصبر
جزء : ١٧ رقم الصفحة : ٣١٢
٣١٢