القول الأول : إن الرعد اسم ملك من الملائكة وهذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك بالتسبيح والتهليل عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن اليهود سألت النبي صلى الله عليه وسلّم عن الرعد ما هو ؟
فقال :"ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله". قالوا : فما الصوت الذي نسمع ؟
قال :"زجره السحاب" وعن الحسن أنه خلق من خلق الله ليس بملك فعلى هذا القول الرعد هو الملك الموكل بالسحاب وصوته تسبيح لله تعالى وذلك الصوت أيضاً يسمى بالرعد ويؤكد هذا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما : كان إذا سمع الرعد قال : سبحان الذي سبحت له. وعن النبي صلى الله عليه وسلّم قال :"إن الله ينشىء السحاب الثقال فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق".
واعلم أن هذا القول غير مستبعد وذلك لأن عند أهل السنة البنية ليست شرطاً لحصول الحياة فلا يبعد من الله تعالى أن يخلق الحياة والعلم والقدرة والنطق في أجزاء السحاب فيكون هذا الصوت المسموع فعلاً له وكيف يستبعد ذلك ونحن نرى أن السمندل يتولد في النار، والضفادع تتولد في الماء البارد، والدودة العظيمة ربما تتولد في الثلوج القديمة، وأيضاً فإذا لم يبعد تسبيح الجبال في زمن داود عليه السلام، ولا تسبيح الحصى في زمان محمد صلى الله عليه وسلّم "فكيف يستبعد تسبيح السحاب" وعلى هذا لقول فهذا الشيء المسمى بالرعد ملك أو ليس / بملك فيه قولان : أحدهما : أنه ليس بملك لأنه عطف عليه الملائكة، فقال :﴿وَالْمَلَـا اـاِكَةُ مِنْ خِيفَتِه ﴾ والمعطوف عليه مغاير للمعطوف. والثاني : وهو أنه لا يبعد أن يكون من جنس الملائكة وإنما إفراده بالذكر على سبيل التشريف كما في قوله :﴿وَمَلـا ـاـاِكَتِه وَرُسُلِه وَجِبْرِيلَ﴾ (البقرة : ٩٨) وفي قوله :﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّنَ مِيثَـاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ (الأحزاب : ٧٠).
القول الثاني : أن الرعد اسم لهذا الصوت المخصوص، ومع ذلك فإن الرعد يسبح الله سبحانه، لأن التسبيح والتقديس وما يجري مجراهما ليس إلا وجود لفظ يدل على حصول التنزيه والتقديس لله سبحانه وتعالى، فلما كان حدوث هذا الصوت دليلاً على وجود موجود متعال عن النقص والإمكان/ كان ذلك في الحقيقة تسبيحاً، وهو معنى قوله تعالى :﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدَه ﴾ (الإسراء : ٤٤).
جزء : ١٩ رقم الصفحة : ٢٤
القول الثالث : أن المراد من كون الرعد مسبحاً أن من يسمع الرعد فإنه يسبح الله تعالى، فلهذا المعنى أضيف هذا التسبيح إليه.
القول الرابع : من كلمات الصوفية الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم، والمطر بكاؤهم.
فإن قيل : وما حقيقة الرعد ؟
قلنا : استقصينا القول في سورة "البقرة" في قوله :﴿فِيهِ ظُلُمَـاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ (البقرة : ١٩).
أما قوله :﴿وَالْمَلَـا اـاِكَةُ مِنْ خِيفَتِه ﴾ فاعلم أن من المفسرين من يقول : عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد، فإنه سبحانه جعل له أعواناً، ومعنى قوله :﴿وَالْمَلَـا اـاِكَةُ مِنْ خِيفَتِه ﴾ أي وتسبح الملائكة من خيفة الله تعالى وخشيته. قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم، فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره، ولا يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.
واعلم أن المحققين من الحكماء يذكرون أن هذه الآثار العلوية إنما تتم بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره، وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار العلوية، وهذا عين ما نقلناه من أن الرعد اسم ملك من الملائكة يسبح الله، فهذا الذي قاله المفسرون بهذه العبارة هو عين ما ذكره المحققون عن الحكماء، فكيف يليق بالعاقل الإنكار ؟
النوع الرابع : من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله :﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ﴾ واعلم أنا قد ذكرنا معنى الصواعق في سورة البقرة. قال المفسرون : نزلت هذه الآية في عامر / بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخي لبيد بن ربيعة أتيا النبي صلى الله عليه وسلّم يخاصمانه ويجادلانه، ويريدان الفتك به، فقال أربد بن ربيعة أخو لبيد بن ربيعة : أخبرنا عن ربنا أمن نحاس هو أم من حديد، ثم إنه لما رجع أربد أرسل عليه صاعقة فأحرقته، ورمى عامراً بغدة كغدة البعير، ومات في بيت سلولية.
واعلم أن أمر الصاعقة عجيب جداً وذلك لأنها تارة تتولد من السحاب، وإذا نزلت من السحاب فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان في لجة البحر، والحكماء بالغوا في وصف قوتها، ووجه الاستدلال أن النار حارة يابسة وطبيعتها ضد طبيعة السحاب، فوجب أن تكون طبيعتها في الحرارة واليبوسة أضعف من طبيعة النيران الحادثة عندنا على العادة، لكنه ليس الأمر كذلك، فإنها أقوى نيران هذا العالم، فثبت أن اختصاصها بمزيد تلك القوة لا بد وأن يكون بسبب تخصيص الفاعل المختار.
جزء : ١٩ رقم الصفحة : ٢٤