أما قوله تعالى :﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا ﴾ ففيه سؤالات : الأول : علام عطف هذا الأمر ؟
والجواب من وجوه : أحدها : أنه ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي يعطف عليه. إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين فهي معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين كما تقول : زيد يعاقب بالقيد والضرب، وبشر عمراً بالعفو والإطلاق. وثانيها : أنه معطوف على قوله :﴿فَاتَّقُوا ﴾ كما تقول يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم / وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم. وثالثها : قرأ زيد بن علي ﴿وَبَشِّرِ﴾ على لفظ المبني للمفعول عطفاً على أعدت. السؤال الثاني : من المأمور بقوله وبشر ؟
والجواب يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأن يكون كل أحد كما قال عليه الصلاة والسلام :"بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة" لم يأمر بذلك واحد بعينه، وإنما كل أحد مأمور به، وهذا الوجه أحسن وأجزل، لأنه يؤذن بأن هذا الأمر لعظمته وفخامته حقيق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به. السؤال الثالث : ما البشارة ؟
الجواب : أنها الخبر الذي يظهر السرور، ولهذا قال الفقهاء إذا قال لعبيده : أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حر فبشروه فرادى عتق أولهم، لأنه هو الذي أفاد خبره السرور ولو قال مكان بشرني أخبرني عتقوا جميعاً لأنهم جميعاً أخبروه، ومنه البشرة لظاهر الجلد، وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه، وأما ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فمن الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المستهزأ به كما يقول الرجل لعدوه أبشر بقتل ذريتك ونهب مالك. أما قوله :﴿الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـالِحَـاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّـاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانْهَـارُ ﴾ ففيه مسائل : ـ
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٥٣
المسألة الأولى : هذه الآية تدل على أن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان لأنه لما ذكر الإيمان ثم عطف عليه العمل الصالح وجب التغاير وإلا لزم التكرار وهو خلاف الأصل.


الصفحة التالية
Icon