ويقال لمن ترك سيفه في الأرض الندية حتى فسد وصدىء : أفسدت سيفك وأصدأته. ورابعها : الضلال والإضلال هو العذاب والتعذيب بدليل قوله تعالى :﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ (القمر : ٤٧، ٤٨) فوصفهم الله تعالى بأنهم يوم القيامة في ضلال وذلك لا يكون إلا عذابهم وقال تعالى :﴿إِذِ الاغْلَـالُ فِى أَعْنَـاقِهِمْ وَالسَّلَـاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِى الْحَمِيمِ ثُمَّ فِى النَّارِ يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ * مِن دُونِ اللَّه قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُوا مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَـافِرِينَ﴾ (غافر : ٧١ ـ ٧٤) فسر ذلك الضلا بالعذاب. وخامسها : أن يحمل الإضلال على الإهلاك والإبطال كقوله :﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَـالَهُمْ﴾ (محمد : ١) قيل أبطلها وأهلكها ومن مجازه قولهم : ضل الماء في اللبن إذا صار مستهلكاً فيه ويقال أضللته أنا إذا فعلت ذلك به فأهلكته وصيرته كالمعدوم ومنه يقال أضل القوم ميتهم إذا واروه في قبره فأخفوه حتى صار لا يرى، قال النابغة :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٦٠
فوآب مضلوه بعين جلية
وغودر بالجولان حزم ونائل
وقال تعالى :﴿وَقَالُوا أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى الارْضِ أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدا بَلْ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ كَـافِرُونَ﴾ (السجدة : ١٠) أي أئذا اندفنا فيها فخفيت أشخاصنا فيحتمل على هذا المعنى يضل الله إنساناً أي يهلكه ويعدمه فتجوز إضافة الإضلال إليه تعالى على هذا الوجه، فهذه الوجوه الخمسة إذا حملنا الإضلال على الإضلال عن الدين. وسادسها : أن يحمل الإضلال على الإضلال عن الجنة، قالت المعتزلة : وهذا في الحقيقة ليس تأويلاً بل حملاً للفظ على ظاهره فإن الآية تدل على أنه تعالى يضلهم وليس فيها دلالة على أنه عما ذا يضلهم، فنحن نحملها على أنه تعالى يضلهم عن طريق الجنة ثم حملوا كل ما في القرآن من هذا الجنس على هذا المحمل وهو اختيار الجبائي قال تعالى :﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّه مَن تَوَلاهُ فَأَنَّه يُضِلُّه وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أي يضله عن الجنة وثوابها. هذا كله إذا حملنا الهمزة في الإضلال على التعدية. وسابعها : أن نحمل الهمزة لا على التعدية بل على الوجدان على ما تقدم في أول هذه المسألة بيانه فيقال أضل فلان بعيره أي ضل عنه فمعنى إضلال الله تعالى لهم أنه تعالى وجدهم ضالين. وثامنها : أن يكون قوله تعالى :﴿يُضِلُّ بِه كَثِيرًا وَيَهْدِي بِه كَثِيرًا ﴾ من تمام قول الكفار فإنهم قالوا ماذا أراد الله بهذا المثل الذي لا يظهر وجه الفائدة فيه ثم قالوا : يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وذكروه على / سبيل التهكم فهذا من قول الكفار ثم قال تعالى جواباً لهم :﴿وَمَا يُضِلُّ بِه إِلا الْفَـاسِقِينَ﴾ أي ما أضل به إلا الفاسق. هذا مجموع كلام المعتزلة، وقالت الجبرية لقد سمعنا كلامكم واعترفنا لكم بجودة الإيراد وحسن الترتيب وقوة الكلام ولكن ماذا نعمل ولكم أعداء ثلاثة يشوشون عليكم هذه الوجوه الحسن ؟
والدلائل اللطيفة : أحدها : مسألة الداعي وهي أن القادر على العلم والجهل والإهداء والإضلال لم فعل أحدهما دون الآخر ؟
وثانيها : مسألة العلم على ما سبق تقريرها في قوله تعالى :﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ وما رأينا لكم في دفع هذين الكلامين كلاماً محيلاً قوياً ونحن لا شك نعلم أنه لا يخفى عليكم مع ما معكم من الذكاء الضعف عن تلك الأجوبة التي تكلموا بها فكما أنصفنا واعترافنا لكم بحسن الكلام الذي ذكرتموه فأنصفوا أيضاً واعترفوا بأنه لا وجه لكم عن هذين الوجهين فإن التعامي والتغافل لا يليق بالعقلاء. وثالثها : أن فعل العبد لو كان بإيجاده لما حصل إلا الذي قصد إيجاده لكن أحداً لا يريد إلا تحصيل العلم والاهتداء، ويحترز كل الاحتراز عن الجهل والضلال فكيف يحصل الجهل والإضلال للعبد مع أنه ما قصد إلا تحصيل العلم والاهتداء ؟
فإن قيل إنه اشتبه عليه الكفر بالإيمان والعلم بالجهل فظن في الجهل أنه علم فقصد إيقاعه فلذلك حصل له الجهل قلنا ظنه في الجهل أنه علم ظن خطأ فإن كان اختاره أولاً فقد اختار الجهل والخطأ لنفسه وذلك غير ممكن وإن قلنا إنه اشتبه عليه ذلك بسبب ظن آخر متقدم عليه لزم أن يكون قبل كل ظن ظن لا إلى نهاية وهو محال. ورابعها : أن التصورات غير كسبية والتصديقات البديهية غير كسبية والتصديقات بأسرها غير كسبية فهذه مقدمات ثلاثة.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٦٠