﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـالٍ وَسُعُرٍ﴾ (القمر : ٤٧) فيمكن أن يكون المراد في ضلال عن الحق في الدنيا وفي سعر : أي في عذاب جهنم في الآخرة ويكون قوله :﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾ من صلة سعر وأما قوله تعالى :﴿إِذِ الاغْلَـالُ فِى أَعْنَـاقِهِمْ﴾ إلى قوله :﴿كَذَالِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَـافِرِينَ﴾ فمعنى قوله ضلوا عنا أي بطلوا فلم ينتفع بهم في هذا اليوم الذي كنا نرجو شفاعتهم فيه ثم قوله :﴿كَذَالِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَـافِرِينَ﴾ قد يكون على معنى كذلك يضل الله أعمالهم أي يحبطها يوم القيامة، ويحتمل كذلك يخذلهم الله تعالى في الدنيا فلا يوفقهم لقبول الحق إذ ألفوا الباطل وأعرضوا عن التدبر، فإذا خذلهم الله تعالى وأتوا يوم القيامة فقد بطلت أعمالهم التي كانوا يرجون الانتفاع بها في الدنيا، وأما / التأويل الخامس : وهو الإهلاك فغير لائق بهذا الموضع لأن قوله تعالى :﴿وَيَهْدِي بِه كَثِيرًا ﴾ يمنع من حمل الإضلال على الإهلاك. وأما التأويل السادس : وهو أنه يضله عن طريق الجنة فضعيف لأنه تعالى قال :﴿يُضِلُّ بِه ﴾ أي يضل بسبب استماع هذه الآيات والإضلال عن طريق الجنة ليس بسبب استماع هذه الآيات بل بسبب إقدامه على القبائح فكيف يجوز حمله عليه. وأما التأويل السابع : وهو أن قوله :﴿يُضِلُّه ﴾ أي يجده ضالاً قد بينا أن إثبات هذه اللغة لا دليل عليه وأيضاً فلأنه عدى الإضلال بحرف الباء فقال :﴿يُضِلُّ بِه ﴾ والإضلال بمعنى الوجدان لا يكون معدى بحرف الباء. وأما التأويل الثامن : فهو في هذه الآية يوجب تفكيك النظم لأنه إلى قوله يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً من كلام الكفار ثم قوله :﴿وَمَا يُضِلُّ بِه إِلا الْفَـاسِقِينَ﴾ كلام الله تعالى من غير فصل بينهما بل مع حرف العطف وهو الواو، ثم هب أنه ههنا كذلك لكنه في سورة المدثر وهو قوله :﴿كَذَالِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ﴾ لا شك أنه قول الله تعالى فهذا هو الكلام في الإضلال.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٦٠
أما الهدى فقد جاء على وجوه : أحدها : الدلالة والبيان قال تعالى :﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ (السجدة : ٢٦) وقال :﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾ (البقرة : ٣٨) وهذا إنما يصح لو كان الهدى عبارة عن البيان وقال :﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الانفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى ﴾ (النجم : ٢٣) وقال :﴿إِنَّا هَدَيْنَـاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان : ٣) أي سواء شكر أو كفر فالهداية قد جاءته في الحالتين وقال :﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾ (فصلت : ١٧) وقال :﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَـابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام : ١٥٤) وهذا لا يقال للمؤمن وقال تعالى حكاية عن خصوم داود عليه السلام :﴿وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَآ إِلَى سَوَآءِ الصِّرَاطِ﴾ (ص : ٢٢) أي أرشدنا وقال :﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى ا أَدْبَـارِهِم مِّنا بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَـانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ (محمد : ٢٥) وقال :﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَـاحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِى جَنابِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّـاخِرِينَ﴾ (الزمر : ٥٦) إلى قوله :﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَاـانِى لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (الزمر : ٥٧) إلى قوله :﴿بَلَى قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَـاتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ الزمر : ٥٩) أخبر أنه قد هدى الكافر مما جاءه من الآيات وقال :﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَـابُ لَكُنَّآ أَهْدَى مِنْهُم فَقَدْ جَآءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى﴾ (الأنعام : ١٥٧) وهذه مخاطبة للكافرين. وثانيها : قالوا في قوله :﴿عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى : ٥٢) أي لتدعو وقوله :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٦٠


الصفحة التالية
Icon