المسألة السادسة : هذه الآية دالة على أمور : الأول : أنها دالة على أنه لا يقدر على الإحياء والإماتة إلا الله تعالى فيبطل به قول أهل الطبائع من أن المؤثر في الحياة والموت كذا وكذا من الأفلاك والكواكب والأركان والمزاجات كما حكى عن قوم في قوله :﴿مَا هِىَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلا الدَّهْرُ ﴾ (الجاثية : ٢٤) الثاني : أنها تدل على صحة الحشر النشر مع التنبيه على الدليل العقلي الدال عليه، لأنه تعالى بين أنه أحيا هذه الأشياء بعد موتها في المرة الأولى فوجب أن يصح ذلك في المرة الثانية، الثالث : أنها تدل على التكليف والترغيب والترهيب. الرابع : أنها دالة على الجبر والقدر كما تقدم بيانه، الخامس : أنها دالة على وجوب الزهد في الدنيا لأنه قال :﴿فَأَحْيَـاكُم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ فبين أنه لا بدّ من الموت ثم بين أنه لا يترك على هذا الموت. بل لا بدّ من الرجوع إليه أما أنه لا بدّ من الموت، فقد بين سبحانه وتعالى أنه بعد ما كان نطقة فإن الله أحياه وصوره أحسن صورة وجعله بشراً سوياً وأكمل عقله وصيره بصيراً بأنواع المنافع والمضار وملكه الأموال والأولاد والدور والقصور، ثم إنه تعالى يزيل كل ذلك عنه بأن يميته ويصيره بحيث لا يملك شيئاً ولا يبقى منه في الدنيا خبر ولا أثر ويبقى مدة طويلة في اللحود كما قال تعالى :﴿وَمِن وَرَآاـاِهِم بَرْزَخٌ﴾ (المؤمنون : ١٠٠) ينادي فلا يجيب ويستنطق فلا يتكلم ثم لا يزوره الأقربون، بل ينساه الأهل والبنون. كما قال يحيى بن معاذ الرازي :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٧٥
فيمر أقاربي بحذاء قبري
كأن أقاربي لم يعرفوني
وقال أيضاً : إلهي كأني بنفسي وقد أضجعوها في حفرتها، وانصرف المشيعون عن تشييعها، وبكى الغريب عليها لغربتها، وناداها من شفير القبر ذو مودتها، ورحمتها الأعادي عند جزعتها، / ولم يخف على الناظرين عجز حيلتها، فما رجائي إلا أن نقول : ما تقول ملائكتي انظروا إلى فريد قد نأى عنه الأقربون، ووحيد قد جفاه المحبون، أصبح مني قريباً وفي اللحد غريباً، وكان لي في الدنيا داعياً ومجيباً، ولإحساني إليه عند وصوله إلى هذا البيت راجياً، فأحسن إلى هناك يا قديم الإحسان، وحقق رجائي فيك يا واسع الغفران. وأما أنه لا بدّ من الرجوع إلى الله فلأن سبحانه يأمر بأن ينفخ في الصور ﴿فَصَعِقَ مَن فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَن فِى الارْضِ إِلا مَن شَآءَ اللَّه ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ (الزمر : ٦٨) وقال :﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الاجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ (المعارج : ٤٣) ثم يعرضون على الله كما قال :﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ (الكهف : ٤٨) فيقومون خاشعين خاضعين كما قال :﴿وَخَشَعَتِ الاصْوَاتُ لِلرَّحْمَـانِ﴾ (طه : ١٠٨) وقال بعضهم : إلهنا إذا قمنا من ثرى الأجداث مغبرة رؤوسنا. ومن شدة الخوف شاحبة وجوهنا، ومن هول القيامة مطرقة رؤوسنا. وجائعة لطول القيامة بطوننا، وبادية لأهل الموقف سوآتنا، وموقرة من ثقل الأوزار ظهورنا، وبقينا متحيرين في أمورنا نادمين على ذنوبنا، فلا تضعف المصائب بإعراضك عنا، ووسع رحمتك وغفرانك لنا، يا عظيم الرحمة يا واسع المغفرة.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٧٥
٣٧٩
اعلم أن هذا هو النعمة الثانية التي عمت المكلفين بأسرهم وما أحسن ما رعى الله سبحانه وتعالى هذا الترتيب فإن الانتفاع بالأرض والسماء إنما يكون بعد حصول الحياة فلهذا ذكر الله أمر الحياة أولاً ثم أتبعه بذكر السماء والأرض، أما قوله :﴿خَلَـاقٍ﴾ فقد مر تفسيره في قوله :﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ﴾ وأما قوله :﴿لَكُمْ﴾ فهو يدل على أن المذكور بعد قوله خلق لأجل انتفاعنا في الدين والدنيا، أما في الدنيا فليصلح أبداننا ولنتقوى به على الطاعات وأما في الدين فللاستدلال بهذه الأشياء والاعتبار بها وجمع بقوله :﴿مَّا فِى الارْضِ جَمِيعًا﴾ جميع المنافع، فمنها ما يتصل بالحيوان والنبات والمعادن والجبال ومنها ما يتصل بضروب الحرف والأمور التي استنبطها العقلاء وبين تعالى أن كل ذلك إنما خلقها كي ينتفع بها كما قال :﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِى الارْضِ﴾ فكأنه سبحانه وتعالى قال كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم وكيف تكفرون بالله وقد خلق لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً أو يقال كيف تكفرون بقدرة الله على الإعادة وقد أحياكم بعد موتكم ولأنه خلق لكم ما في الأرض / جميعاً فكيف يعجز عن إعادتكم ثم إنه تعالى ذكر تفاصيل هذه المنافع في سورة مختلفة كما قال :﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَآءَ صَبًّا﴾ وقال في أول سورة أتى أمر الله ﴿وَالانْعَـامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ (النحل : ٥) إلى آخره وههنا مسائل :