المسألة الثالثة : اختلفوا في التسبيح على وجهين، فالأكثرون على أن المراد منه الصلاة وهؤلاء اختلفوا على ثلاثة أوجه. أحدها : أن الآية تدل على أن الصلوات الخمس لا أزيد ولا أنقص، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : دخلت الصلوات الخمس فيه، فقبل طلوع الشمس هو صلاة الفجر، وقبل غروبها هو الظهر والعصر لأنهما جميعاً قبل الغروب، ومن آناء الليل فسبح المغرب والعشاء الأخيرة ويكون قوله :﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ كالتوكيد للصلاتين الواقعتين في طرفي النهار وهما صلاة الفجر وصلاة المغرب كما اختصت في قوله :﴿حَـافِظُوا عَلَى﴾ (البقرة : ٢٣٨) بالتوكيد. القول / الثاني : أن الآية تدل على الصلوات الخمس وزيادة، أما دلالتها على الصلوات الخمس فلأن الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها، فالليل والنهار داخلان في هاتين العبارتين، فأوقات الصلوات الواجبة دخلت فيهما، بقي قوله :﴿وَمِنْ ءَانَآى ِ الَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ﴾ وأطراف النهار للنوافل. القول الثالث : أنها تدل على أقل من الخمس، فقوله : قبل طلوع الشمس للفجر، وقبل غروبها للعصر، ومن آناء الليل للمغرب والعتمة، فيبقى الظهر خارجاً. والقول الأول أقوى وبالاعتبار أولى. هذا كله إذا حملنا التسبيح على الصلاة، قال أبو مسلم : لا يبعد حمله على التنزيه والإجلال، والمعنى اشتغل بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات، وهذا القول أقرب إلى الظاهر وإلى ما تقدم ذكره، وذلك لأنه تعالى صبره أولاً على ما يقولون من تكذيبه ومن إظهار الشرك والكفر، والذي يليق بذلك أن يأمر بتنزيهه تعالى عن قولهم حتى يكون دائماً مظهراً لذلك وداعياً إليه فلذلك قال ما يجمع كل الأوقات.
جزء : ٢٢ رقم الصفحة : ١١٢
المسألة الرابعة : أفضل الذكر ما كان بالليل لأن الجمعية فيه أكثر. وذلك لسكون الناس وهدء حركاتهم وتعطيل الحواس عن الحركات وعن الأعمال، ولذلك قال سبحانه وتعالى :﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْـاًا وَأَقْوَمُ قِيلا﴾ (المزمل : ٦) وقال :﴿أَمَّنْ هُوَ قَـانِتٌ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآاـاِمًا يَحْذَرُ الاخِرَةَ﴾ (الزمر : ٩) ولأن الليل وقت السكون والراحة. فإذا صرف إلى العبادة كانت على الأنفس أشق وللبدن أتعب فكانت أدخل في استحقاق الأجر والفضل.
المسألة الخامسة : لقائل أن يقول : النهار له طرفان فكيف قال :﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ بل الأولى أن يقول كما قال :﴿وَأَقِمِ الصَّلَواةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ﴾ (هود : ١١٤)، وجوابه من الناس من قال أقل الجمع اثنان فسقط السؤال، ومنهم من قال : إنما جمع لأنه يتكرر في كل نهار ويعود، أما قوله تعالى :﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى ﴾ ففيه وجوه. أحدها : أن هذا كما يقول الملك الكبير : يا فلان اشتغل بالخدمة فلعلك تنتفع به ويكون المراد إني أوصلك إلى درجة عالية في النعمة، وهو إشارة إلى قوله :﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ (الضحى : ٥) وقوله :﴿عَسَى ا أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾، وثانيها : لعلك ترضى ما تنال من الثواب. وثالثها : لعلك ترضى ما تنال من الشفاعة. وقرأ الكسائي وعاصم : لعلك ترضى بضم التاء والمعنى لا يختلف لأن الله تعالى إذا أرضاه فقد رضيه وإذا رضيه فقد أرضاه.
جزء : ٢٢ رقم الصفحة : ١١٢
١١٨
اعلم أنه تعالى لما صبر رسوله عليه السلام على ما يقولون، وأمره بأن يعدل إلى التسبيح أتبع ذلك بنهيه عن مد عينيه إلى ما متع به القوم فقال تعالى :﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في قوله :﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ وجهان : أحدهما : المراد منه نظر العين وهؤلاء قالوا : مد النظر تطويله وأن لا يكاد يرده استحساناً للمنظور إليه إعجاباً به كما فعل نظارة قارون حيث قالوا :﴿الدُّنْيَا يَـالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِىَ قَـارُونُ إِنَّه لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (القصص : ٧٩) حتى واجههم أولوا العلم والإيمان بقولهم :﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـالِحًا﴾ (القصص : ٨٠) وفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه وذلك كما إذا نظر الإنسان إلى شيء مرة ثم غض، ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطباع قيل :﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أي لا تفعل ما أنت معتاد له. ولقد شدد المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وعدد الفسقة في اللباس والمركوب وغير ذلك لأنهم اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة، فالناظر إليها محصل لغرضهم وكالمقوى لهم على اتخاذها. القول الثاني : قال أبو مسلم الذي نهى عنه بقوله :﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ ليس هو النظر، بل هو الأسف أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوه من حظ الدنيا.
جزء : ٢٢ رقم الصفحة : ١١٨


الصفحة التالية
Icon