﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ والأظهر أن المراد أن مطلوبك الذي تجده من الثواب خير من مطلوبهم وأبقى، لأنه يدوم ولا ينقطع وليس كذلك حال ما أوتوه من في الدنيا، ويحتمل أن يكون المراد ما أوتيته من يسير الدنيا إذا قرنته بالطاعة خير لك من حيث العاقبة وأبقى، فذكر الرزق في الدنيا ووصفه بحسن عاقبته إذا رضي به وصبر عليه، ويحتمل أن يكون المراد ما أعطى من النبوة والدرجات الرفيعة، وأما قوله :﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلواةِ﴾ فمنهم من حمله على أقاربه ومنهم من حمله على كل أهل دينه، وهذا أقرب وهو كقوله :﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَه بِالصَّلَواةِ وَالزَّكَواةِ﴾ (مريم : ٥٥) وإن احتمل أن يكون المراد من يضمه المسكن إذ التنبيه على الصلاة والأمر بها في أوقاتها ممكن فيهم دون سائر الأمة يعنى كما أمرناك بالصلاة فامر أنت قومك بها، أما قوله :﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾ فالمراد كما تأمرهم فحافظ عليها فعلاً، فإن الوعظ بلسان الفعل أتم منه بلسان القول، وكان رسول الله / صلى الله عليه وسلّم بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعلي عليهما السلام كل صباح ويقول :"الصلاة" وكان يفعل ذلك أشهراً، ثم بين تعالى أنه إنما يأمرهم بذلك لمنافعهم وأنه متعال عن المنافع بقوله :﴿لا نَسْـاَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ﴾ وفيه وجوه. أحدها : قال أبو مسلم : المعنى أنه تعالى إنما يريد منه ومنهم العبادة ولا يريد منه أن يرزقه كما تريد السادة من العبيد الخراج، وهو كقوله تعالى :﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالانسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ (الذاريات : ٥٦، ٥٧). وثانيها :﴿لا نَسْـاَلُكَ رِزْقًا ﴾ لنفسك ولا لأهلك بل نحن نرزقك ونرزق أهلك، ففرغ بالك لأمر الآخرة، وفي معناه قول الناس : من كان في عمل الله كان الله في عمله. وثالثها : المعنى أنا لما أمرناك بالصلاة فليس ذلك لأنا ننتفع بصلاتك. فعبر عن هذا المعنى بقوله :﴿لا نَسْـاَلُكَ رِزْقًا ﴾ بل نحن نرزقك في الدنيا بوجوه النعم وفي الآخرة بالثواب، قال عبد الله بن سلام :"كان النبي صلى الله عليه وسلّم إذا نزل بأهله ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية" واعلم أنه ليس في الآية رخصة في ترك التكسب لأنه تعالى قال في وصف المتقين :
جزء : ٢٢ رقم الصفحة : ١١٨


الصفحة التالية
Icon