الأنبياء : ٧٩) ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك ما يتعلق بأحوال الدنيا فدل على أن العلم أشرف. السادس : قال بعضهم الهدهد مع أنه في نهاية الضعف ومع أنه كان في موقف المعاتبة قال لسليمان ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِه ﴾ فلولا أن العلم أشرف الأشياء وإلا فمن أين للهدهد أن يتكلم في مجلس سليمان بمثل هذا الكلام ولذلك يرى الرجل الساقط إذا تعلم العلم صار نافذ القول عند السلاطين وما ذاك إلا ببركة العلم، السابع : قال عليه الصلاة والسلام :"تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة" وفي التفضيل وجهان : أحدها : أن التفكر يوصلك إلى الله تعالى والعبادة توصلك إلى ثواب الله تعالى والذي يوصلك إلى الله خير مما يوصلك إلى غير الله. والثاني : أن التفكر عمل القلب والطاعة عمل الجوارح، والقلب أشرف من الجوارح فكان عمل القلب أشرف من عمل الجوارح والذي يؤكد هذا الوجه قوله تعالى :﴿إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ﴾ (طه : ١٤) جعل الصلاة وسيلة إلى ذكر القلب والمقصود أشرف من الوسيلة فدل ذلك على أن العلم أشرف من غيره. الثامن : قال تعالى :﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُا وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء : ١١٣) فسمى العلم عظيماً وسمي الحكمة خيراً كثيراً فالحكمة هي العلم وقال أيضاً :﴿الرَّحْمَـانُ * عَلَّمَ الْقُرْءَانَ﴾ (الرحمن : ١) فجعل هذه النعمة مقدمة على جميع النعم، فدل على أنه أفضل من غيره. التاسع : أن سائر كتب الله ناطقة بفضل العلم. أما التوراة فقال تعالى لموسى عليه السلام "عظم الحكمة فإني لا أجعل الحكمة في قلب عبد إلا وأردت أن أغفر له فتعلمها ثم اعمل بها ثم ابذلها كي تنال بها كرامتي في الدنيا والآخرة" وأما الزبور فقال سبحانه وتعالى :"يا داود قل لأحبار بني إسرائيل ورهبانهم حادثوا من الناس الأتقاء فإن لم تجدوا فيهم تقياً فحادثوا العلماء فإن لم تجدوا عالماً فحادثوا العقلاء فإن التقى والعلم والعقل ثلاث مرات بما جعلت واحدة منهن في أحد من خلقي وأنا أريد إهلاكه" وأقول إنما قدم الله تعالى التقي على العلم لأن التقي لا يوجد بدون العلم كما بينا أن الخشية لا تحصل إلا مع العلم والموصوف بالأمرين أشرف من الموصوف بأمر واحد، وهذا السر أيضاً قدم العالم على العاقل لأن العالم لا بدّ وأن يكون عاقلاً، أما العاقل فقد لا يكون عالماً
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٩٦
فالعقل كالبذر والعلم كالشجرة والتقوى كالثمر. وأما الإنجيل قال الله تعالى في السورة السابعة عشر منه "ويل لمن سمع بالعلم فلم يطلبه كيف يحشر مع الجهال إلى النار اطلبوا العلم وتعلموه فإن العلم إن لم يسعدكم لم يشقكم / وإن لم يرفعكم لم يضعكم وإن لم يغنكم لم يفقركم وإن لم ينفعكم لم يضركم ولا تقولوا نخاف أن نعلم فلا نعمل ولكن قولوا نرجوا أن نعلم فنعمل" والعلم شفيع لصاحبه وحق على الله تعالى أن لا يخزيه، إن الله تعالى يقول يوم القيامة :"يا معاشر العلماء ما ظنكم بربكم ؟
يقولون. ظننا أن يرحمنا ويغفر لنا، فيقول : فأني قد فعلت، إني قد استودعتكم حكمتي لا لشر أردته بكم، بل لخير أردته بكم، فادخلوا في صالح عبادي إلى جنتي برحمتي" وقال مقاتل بن سليمان وجدت في الإنجيل. أن الله تعالى قال لعيسى بن مريم عليهما السلام : يا عيسى عظم العلماء واعرف فضلهم لأني فضلتهم على جميع خلقي إلا النبيين والمرسلين كفضل الشمس على الكواكب، وكفضل الآخرة على الدنيا، وكفضلي على كل شيء، أما الأخبار :"ا" عن عبد الله بن عمر قال قال عليه الصلاة والسلام يقول الله تعالى للعلماء "إني لم أضع علمي فيكم وأنا أريد أن أعذبكم ادخلوا الجنة على ما كان منكم" "ب" قال أبو هريرة وابن عباس : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم خطبة بليغة قبل وفاته وهي آخر خطبة خطبها بالمدينة فقال : من تعلم العلم وتواضع في العلم وعلمه عباد الله يريد ما عند الله. لم يكن في الجنة أفضل ثواباً منه ولا أعظم منزلة، ولم يكن في الجنة منزلة ولا درجة رفيعة نفيسة إلا كان له فيها أوفر النصيب وأشرف المنازل". "ج" ابن عمر مرفوعاً إذا كان يوم القيامة صفت منابر من ذهب عليها فباب من فضة منضدة بالدر والياقوت والزمرد جلالها السندس والاستبرق، ثم ينادي منادى الرحمن : أين من حمل إلى أمة محمد علماً يريد به وجه الله : اجلسوا على هذه المنابر فلا خوف عليكم حتى تدخلوا الجنة. "د" عن عيسى ابن مريم عليهما السلام : أن أمة محمد عليه الصلاة والسلام علماء حكماء كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل، ويدخلون الجنة بلا إله إلا الله "هـ" قال عليه السلام "من اغبرت قدماه في طلب العلم، حرم الله جسد على النار، واستغفر له ملكاه وإن مات في طلبه مات شهيداً، وكان قبره روضة من رياض الجنة، ويوسع له في قبره مد بصره، وينور على جيرانه أربعين قبراً عن يمينه. وأربعين
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٩٦


الصفحة التالية
Icon