له يا أمير المؤمنين إذاوقعت في معصية هل تخاف الله في تلك الحالة أو بعدها : فقال إي والله أخاف خوفاً شديداً، فقلت : أنا أشهد أن لك جنتين، لا جنة واحدة قال تعالى :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٩٦
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّه جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن : ٤٦) فلاطفني وأمرني بالانصراف فلما رجعت إلى داري رأيت البدر متبادرة إلي "يح" يحكى أن أبا يوسف أتاه ذات ليلة رسول الرشيد يستعجله، فخاف أبو يوسف على نفسه، فلبس إزاره ومشى خائفاً إلى دار الخليفة، فلما دخل عليه سلم فرد عليه الجواب وأدناه، فعند ذلك هدأ روعه، قال الرشيد إن حلياً لنا فقد من الدار فاتهمت فيه جارية من جواري الدار الخاصة، فحلفت لتصدقيني أولأقتلنك وقد ندمت فاطلب لي وجهاً ؛ فقال أبو يوسف : فأذن لي في الدخول عليها فأذن له فرأى جارية كأنها فلقة قمر ؛ فأخلى المجلس ثم قال لها : أمعك الحلى ؟
فقالت : لا والله، فقال : لها احفظي ما أقول لك ولا تزيدي عليه ولا تنقصي عنه إذا دعاك الخليفة وقال لك أسرقت الحلى فقولي نعم، فإذا قال لك فهاتها فقولي ما سرقتها، ثم خرج أبو يوسف إلى مجلس الرشيد وأمر بإحضار الجارية فحضرت، فقال للخليفة : سلها عن الحلى، فقال لها الخليفة : أسرقت الحلى ؟
قالت : نعم، قال لها : فهاتها، قالت : لم أسرقها والله، قال أبو يوسف : قد صدقت يا أمير المؤمنين في الإقرار أو الإنكار وخرجت مناليمين، فسكن غضب الرشيد وأمر أن يحمل إلى دار أبي يوسف مائة ألف درهم، فقالوا : إن الخزان غيب فلو أخرنا ذلك إلى الغد، فقال : إن القاضي أعتقنا الليلة / فلا نؤخر صلته إلى الغد، فأمر حتى حمل عشر بدر مع أبي يوسف إلى منزله. "يط" قال بشر المريسي للشافعي : كيف تدعي انعقاد الإجماع مع أن أهل المشرق والمغرب لا يمكن معرفة وجود إجماعهم على الشيء الواحد وكانت هذه المناظرة عند الرشيد، فقال الشافعي : هل تعرف إجماع الناس على خلافة هذا الجالس ؟
فأقر به خوفاً وانقطع ؛ "ك" أعرابي قصد الحسين بن علي رضي الله عنهما، فسلم عليه وسأله حاجة وقال : سمعت جدك يقول : إذا سألتم حاجة فاسألوها من أحد أربعة : إما عربي شريف، أو مولى كريم/ أو حامل القرآن، أو صاحب وجه صبيح فأما العرب فشرفت بجدك، وأما الكرم فدأبكم وسيرتكم، وأما القرآن ففي بيوتكم نزل، وأما الوجه الصبيح فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول : إذا أردتم أن تنظروا إليّ فانظروا إلى الحسن والحسين، فقال الحسين : ما حاجتك ؟
فكتبها على الأرض، فقال الحسين سمعت أبي علياً يقول قيمة كل امرىء ما يحسنه. وسمعت جدي يقول : المعروف بقدر المعرفة فأسألك عن ثلاث مسائل إن أحسنت في جواب واحدة فلك ثلث ما عندي وإن أجبت عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي وإن أجبت عن الثلاث فلك كل ما عندي وقد حمل إليّ صرة مختومة من العراق فقال : سل ولا حول ولا قوة إلا بالله فقال : أي الأعمال أفضل قال الأعرابي : الإيمان بالله. قال : فما نجاة العبد من الهلكة قال : الثقة بالله، قال : فما يزين المرء قال : علم معه حلم قال : فإن أخطأه ذلك قال : فمال معه كرم قال : فإن أخطأه ذلك قال : ففقر معه صبر قال : فإن أخطأه ذلك قال : فصاعقة تنزل من السماء فتحرقه فضحك الحسين ورمى بالصرة إليه.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٩٦
أما الشواهد العقلية في فضيلة العلم فنقول : اعلم أن كون العلم صفة شرف وكمال وكون الجهل صفة نقصان أمر معلوم للعقلاء بالضرورة ولذلك لو قيل للرجل العالم يا جاهل فأنه يتأذى بذلك وإن كان يعلم كذب ذلك ولو قيل للرجل الجاهل يا عالم فإنه يفرح بذلك وإن كان يعلم أنه ليس كذلك وكل ذلك دليل على أن العلم شريف لذاته ومحبوب لذاته والجهل نقصان لذاته وأيضاً فالعلم أينما وجد كان صاحبه محترماً معظماً حتى أن الحيوان إذا رأى الإنسان احتشمه بعض الاحتشام وانزجر به بعض الانزجار وإن كان ذلك الحيوان أقوى بكثير من الإنسان وكذلك جماعة الرعاة إذا رأوا من جنسهم من كان أوفر عقلاً منهم وأغزر فضلاً فيما هم فيه وبصدده انقادوا له طوعاً فالعلماء إذا لم يعاندوا كانوا رؤساء بالطبع على من كان دونهم في العلم ولذلك فإن كثيراً ممن كانوا يعاندون النبي صلى الله عليه وسلّم فصدوه ليقتلوه فما كان إلا أن وقع بصرهم عليه فألقى الله في قلوبهم منه روعة وهيبة فهابوه وانقادوا له صلى الله عليه وسلّم ولهذا قال الشاعر :
فلو لم تكن فيه آيات مبينة
كانت بداهتة تنبيك عن خبر


الصفحة التالية
Icon