﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـاقُوا رَبِّهِمْ﴾ (البقرة : ٤٦) قالوا : إنما أطلق لفظ الظن على العلم ههنا لوجهين : أحدهما : التنبيه على أن علم أكثر الناس في الدنيا بالإضافة إلى علمه في الآخرة كالظن في جنب العلم. والثاني : أن العلم الحقيقي في الدنيا لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى :﴿الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِه ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ﴾ (الحجرات : ١٥) واعلم أن الظن إن كان عن أمارة قوية قبل ومدح وعليه مدار أكثر أحوال هذا العلم. وإن كان عن أمارة ضعيفة ذم كقوله تعالى :﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْـاًا﴾ (النجم : ٢٨) وقوله :﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ (الحجرات : ١٢) الثاني والعشرون : الخيال. وهو عبارة من الصورة الباقية عن المحسوس بعد غيبته. ومنه الطيف الوارد من صورة المحبوب خيالاً والخيال قد يقال لتلك الصورة في المنام وفي اليقظة، والطيف لا يقال إلا فيما كان في حال النوم. الثالث والعشرون : البديهة وهي المعرفة الحاصلة ابتداء في النفس لا بسبب الفكر كعلمك بأن الواحد نصف الاثنين. الرابع والعشرون : الأوليات وهي البديهيات بعينها والسبب في هذه التسمية أن الذهن يلحق محمول القضية بموضوعها أولاً لا بتوسط شيء آخر فأما الذي يكون بتوسط شيء آخر. فذاك المتوسط هو المحمول أولاً / الخامس والعشرون : الروية، وهي ما كان من المعرفة بعد فكر كثير، وهي من روى، السادس والعشرون : الكياسة. وهي تمكن النفس من استنباط ما هو أنفع. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام :"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت". من حيث إنه لا خير يصل إليه الإنسان أفضل مما بعد الموت. السابع والعشرون : الخبرة، وهي معرفة يتوصل إليها بطريق التجربة، يقال خبرته قال أبو الدرداء : وجدت الناس أخبر تقله. وقيل هو من قولهم : ناقة خبرة. أي غزيرة اللبن، فكان الخبر هو غزارة المعرفة. ويجوز أن يكون قولهم ناقة خبرة : هي المخبر عنها بغزارتها. الثامن والعشرون : الرأي، وهو إحاطة الخاطر في المقدمات التي يرجى منها إنتاج المطلوب، وقد يقال للقضية المستنتجة من الرأي رأي، والرأي للفكر كالآلة للصانع، ولهذا قيل : إياك والرأي الفطير، وقيل : دع الرأي تصب. التاسع والعشرون : الفراسة وهي الاستدلال بالحق الظاهر على الخلق الباطن، وقد نبه الله تعالى على صدق هذا الطريق بقوله تعالى :﴿إِنَّ فِى ذَالِكَ لايَـاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ (الحجر : ٧٥) وقوله تعالى :﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَـاهُمْ﴾ (البقرة : ٢٧٣) وقوله تعالى :﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ الْقَوْلِ ﴾ (محمد : ٣٠) واشتقاقها من قولهم : فرس السبع الشاة، فكأن الفراسة اختلاس المعارف، وذلك ضربان : ضرب يحصل للإنسان عن خاطره ولا يعرف له سبب، وذلك ضرب من الإلهام بل ضرب من الوحي، وإياه عنى النبي صلى الله عليه وسلّم بقوله :"إن في أمتي لمحدثين وإن عمر لمنهم" ويسمى ذلك أيضاً النفث في الروع، والضرب الثاني من الفراسة ما يكون بصناعة متعلمة وهي الاستدلال بالأشكال الظاهرة على الأخلاق الباطنة وقال أهل المعرفة في قوله تعالى :﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّه وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ (هود : ١٧) إن البينة هو القسم الأول وهو إشارة إلى صفاء جوهر الروح والشاهد هو القسم الثاني وهو الاستدلال بالأشكال على الأحوال.
المسألة التاسعة : قوله تعالى :﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاسْمَآءَ كُلَّهَا﴾ وقوله :﴿لا عِلْمَ لَنَآ إِلا مَا عَلَّمْتَنَآ ﴾ وقوله :﴿الرَّحْمَـانُ * عَلَّمَ الْقُرْءَانَ﴾ لا يقتضي وصف الله تعالى بأنه معلم لأنه حصل في هذه اللفظة تعارف على وجه لا يجوز إطلاقه عليه وهو من يحترف بالتعليم والتلقين وكما لا يقال للمدرس معلم مطلقاً حتى لو أوصى للمتعلمين لا يدخل فيه المدرس فكذا لا يقال لله إنه معلم إلا مع التقييد ولولا هذا التعارف لحسن إطلاقه عليه بل كان يجب أن لا يستعمل إلا فيه تعالى لأن المعلم هو الذي يحصل العلم في غيره ولا قدرة على ذلك لأحد إلا الله تعالى.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٩٦
٤٢٤