المسألة الثالثة : اختلفوا في أن إبليس هل كان من الملائكة ؟
قال بعض المتكلمين : ولا سيما المعتزلة إنه لم يكن منهم وقال كثير من الفقهاء إنه كان منهم واحتج الأولون بوجوه : أحدها : أنه كان من الجن فوجب أن لا يكون من الملائكة وإنما قلنا إنه كان من الجن لقوله تعالى في سورة الكهف :﴿إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ (الكهف : ٥٠) واعلم أن من الناس من ظن أنه لما ثبت أنه كان من الجن وجب أن لا يكون من الملائكة لأن الجن جنس مخالف للملك وهذا ضعيف لأن الجن مأخوذ من الاجتنان وهو الستر ولهذا سمي الجنين جنيناً لاجتنابه ومنه الجنة لكونها ساترة والجنة لكونها مستترة بالأغصان ومنه الجنون لاستتار العقل فيه، ولما ثبت هذا والملائكة مستورون عن العيون وجب إطلاق لفظ الجن عليهم بحسب اللغة فثبت أن هذا القدر لا يفيد المقصود فنقول لما ثبت أن إبليس كان من الجن وجب أن لا يكون من الملائكة لقوله تعالى :﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ للملائكة أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَـانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ﴾ (سبأ : ٤٠، ٤١) وهذه الآية صريحة في الفرق بين الجن والملك. فإن قيل لا نسلم أنه كان من الجن أما قوله تعالى :﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ فلم لا يجوز أن يكون المراد كان من الجنة على ما روى عن ابن مسعود أنه قال كان من الجن أي كان خازن الجنة سلمنا ذلك لكن لا يجوز أن يكون قوله :﴿مِّن الْجِنِّ﴾ أي صار من الجن كما أن قوله وكان من الكافرين أي صار من الكافرين سلمنا أن ما ذكرت / يدل على أنه من الجن فلم قلت أن كونه من الجن ينافي كونه من الملائكة وما ذكرتم من الآية معارض بآية أخرى وهي قوله تعالى :﴿وَجَعَلُوا بَيْنَه وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا ﴾ (الصافات : ١٥٨) وذلك لأن قريشاً قالت : الملائكة بنات الله فهذه الآية تدل على أن الملك يسمى جناً ؟
والجواب : لا يجوز أن يكون المراد من قوله :﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أنه كان خازن الجنة لأن قوله :﴿إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ يشعر بتعليل تركه للسجود لكونه جنياً ولا يمكن تعليل ترك السجود بكونه خازناً للجنة فيبطل ذلك قوله
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧
﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي صار من الجن. قلنا هذا خلاف الظاهر فلا يصار إلا عند الضرورة وأما قوله تعالى :﴿وَجَعَلُوا بَيْنَه وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا ﴾ قلنا يحتمل أن بعض الكفار أثبت ذلك النسب في الجن كما أثبته في الملائكة وأيضاً فقد بينا أن الملك يسمى جناً بحسب أصل اللغة لكن لفظ الجن بحسب العرف اختص بغيرهم كما أن لفظ الدابة وإن كان بحسب اللغة الأصلية يتناول كل ما يدب لكنه بحسب العرف اختص ببعض ما يدب فتحمل هذه الآية على اللغة الأصلية، والآية التي ذكرناها على العرف الحادث. وثانيها : أن إبليس له ذرية والملائكة لا ذرية لهم، إنما قلنا إن إبليس له ذرية لقوله تعالى في صفته :﴿أَفَتَتَّخِذُونَه وَذُرِّيَّتَه ا أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى﴾ (الكهف : ٥٠) وهذا صريح في إثبات الذرية له، وإنما قلنا إن الملائكة لا ذرية لهم لأن الذرية إنما تحصل من الذكر والأنثى والملائكة لا أنثى فيهم لقوله تعالى :﴿وَجَعَلُوا الملائكة الَّذِينَ هُمْ عِبَـادُ الرَّحْمَـن ِ إِنَـاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُم سَتُكْتَبُ شَهَـادَتُهُمْ﴾ (الزخرف : ١٩) أنكر على من حكم عليهم بالأنوثة فإذا انتفت الأنوثة انتفى التوالد لا محالة فانتفت الذرية، وثالثها : أن الملائكة معصومون على ما تقدم بيانه وإبليس لم يكن كذلك فوجب أن لا يكون من الملائكة ورابعها : أن إبليس مخلوق من النار والملائكة ليسوا كذلك إنما قلنا إن إبليس مخلوق من النار لقوله تعالى حكاية عن إبليس ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ﴾ وأيضاً فلأنه كان من الجن لقوله تعالى :﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ والجن مخلوقون من النار لقوله تعالى :﴿وَالْجَآنَّ خَلَقْنَـاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ (الحجر : ٢٧) وقال :﴿خَلَقَ الانسَـانَ مِن صَلْصَـالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ (الرحمن : ١٤، ١٥) وأما أن الملائكة ليسوا مخلوقين من النار بل من النور، فلما روي الزهري عن عروة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال : خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار، ولأن من المشهور الذي لا يدفع أن الملائكة روحانيون، وقيل إنما سموا بذلك، لأنهم خلقوا من الريح أو الروح. وخامسها : أن الملائكة رسل لقوله تعالى :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧


الصفحة التالية
Icon