المسألة الرابعة : أعلم أن جماعة من أصحابنا يحتجون بأمر الله تعالى للملائكة بسجود آدم عليه السلام على أن آدم أفضل من الملائكة فرأينا أن نذكر ههنا هذه المسألة فنقول : قال أكثر أهل السنّة : الأنبياء أفضل من الملائكة وقالت المعتزلة بل الملائكة أفضل من الأنبياء وهو قول جمهور الشيعة، وهذا القول اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني من المتكلمين منا وأبي عبد الله الحليمي من / فقهائنا ونحن نذكر محصل الكلام من الجانبين : أما القائلون بأن الملائكة أفضل من البشر فقد احتجوا بأمور : أحدها : قوله تعالى :﴿وَمَنْ عِندَه لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِه ﴾ (الأنبياء : ١٩) إلى قوله :﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ والاستدلال بهذه الآية من وجهين : الأول : أنه ليس المراد من هذه العندية عندية المكان والجهة فإن ذلك محال على الله تعالى بل عندية القرب والشرف ولما كانت هذه الآية واردة في صفة الملائكة علمنا أن هذا النوع من القربة والشرف حاصل لهم لا لغيرهم ولقائل أن يقول : إنه تعالى أثبت هذه العندية في الآخرة لآحاد المؤمنين وهو قوله :﴿فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِر ﴾ (القمر : ٥٥) وأما في الدنيا فقال عليه الصلاة والسلام حاكياً عنه سبحانه :"أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي" وهذا أكثر إشعاراً بالتعظيم لأن هذا الحديث يدل على أنه سبحانه عند هؤلاء المنكسرة قلوبهم وما احتجوا به من الآية يدل على أن الملائكة عند الله تعالى، ولا شك أن كون الله تعالى عند العبد أدخل في التعظيم، من كون العبد عند الله تعالى. الوجه الثاني : في الاستدلال بالآية، أن الله تعالى احتج بعد استكبارهم على أن غيرهم وجب أن لا يستكبروا ولو كان البشر أفضل منهم لما تم هذا الاحتجاج، فإن السلطان إذا أراد أن يقرر على رعيته وجوب طاعتهم له بقول : الملوك لا يستكبرون عن طاعتي، فمن هؤلاء المساكين حتى يتمردوا عن طاعتي أو بالجملة فمعلوم أن هذا الاستدلال لا يتم إلا بالأقوى على الأضعف. ولقائل أن يقول : لا نزاع في أن الملائكة أشد قوة وقدرة من البشر، ويكفي في صحة الاستدلال هذا القدر من التفاوت، فإنه تعالى يقول : إن الملائكة مع شدة قوتهم واستيلائهم على أجرام السموات والأرض وأمنهم من الهرم والمرض وطول أعمارهم، لا يتركون العبودية لحظة واحدة، والبشر مع نهاية ضعفهم ووقوعهم في أسرع الأحوال في المرض والهرم وأنواع الآفات، أولى أن لا يتمردوا فهذا القدر من التفاوت كافٍ في صحة هذا الاستدلال، ولا نزاع في حصول التفاوت في هذه المعنى، إنما النزاع في الأفضلية بمعنى كثرة الثواب، فلم قلتم إن هذا الاستدلال لا يصح إلا إذا كان الملك أكثر ثواباً من البشر، ولا بدّ فيه من دليل ؟
مع أن المتبادر إلى الفهم هو الذي ذكرناه. وثانيها : أنهم قالوا : عبادات الملائكة أشق من عبادات البشر، فتكون أكثر ثواباً من عبادات البشر، وإنما قلنا إنها أشق لوجوه : أحدها : أن ميلهم إلى التمرد أشد فتكون طاعتهم أشق، وإنما قلنا : إن ميلهم إلى التمرد أشد، لأن العبد السليم من الآفات، المستغنى عن طلب الحاجات، يكون أميل إلى النعم والالتذاذ من المغمور في الحاجات، فإنه يكون كالمضطرب في الرجوع إلى عبادة مولاه والالتجاء إليه، ولهذا قال تعالى :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧


الصفحة التالية
Icon