﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ (الأنبياء : ٠٢) وعلى هذا لو كانت أعمارهم مساوية لأعمار البشر لكانت طاعاتهم أدوم أكثر فكيف ولا نسبة لعمر كل البشر إلى عمر الملائكة على ما تقدم بيانه في باب صفات الملائكة وعلى هذه الآية سؤال : روي في "شعب الإِيمان" عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال : قلت لكعب أرأيت قول الله تعالى :﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ ثم قال :﴿جَاعِلِ الْمَلَكَةِ رُسُلا﴾ (فاطر : ١) أفلا تكون الرسالة معانعة لهم عن هذا التسبيح ؟
وأيضاً قال :﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والملائكة وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (البقرة : ١٦١) فكيف يكونون مشتغلين باللعن حال اشتغالهم بالتسبيح ؟
أجاب كعب الأحبار فقال : التسبيح لهم كالتنفس لنا فكما أن اشتغالنا بالتنفس لا يمنعنا من الكلام فكذلك اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال. وأقول : لقائل أن يقول الاشتغال بالتنفس إنما لم يمنع من الكلام لأن آلة التنفس غير آلة الكلام أما اللعن والتسبيح فهما من جنس الكلام فاجتماعهما في الآية الواحدة محال. والجواب الأول : استبعاد في أن يخلق الله تعالى لهم ألسنة كثيرة يسبحون الله تعالى ببعضها ويلعنون أعداء الله تعالى بالبعض الآخر. والجواب الثاني : اللعن هو الطرد والتبعيد، والتسبيح هو الخوض في ثناء الله تعالى ولا شك أن ثناء الله يستلزم تبعيد من اعتقد في الله ما لا ينبغي فكان ذلك اللعن من لوازمه. والجواب الثالث : قوله :﴿لا يَفْتُرُونَ﴾ معناه أنهم لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته اللائقة به كما يقال إن فلاناً مواظب على الجماعات لا يفتر عنها لا يراد به أنه أبداً مشتغل بل بل يراد به أنه مواظب على العزم أبداً على أدائها في أوقاتها وإذا ثبت أن عباداتهم أدوم وجب أن تكون أفضل. أما أولاً فلأن الأدوم أشق فيكون أفضل على ما سبق تقريره في الحجة الثانية. وأما ثانياً : فلقوله عليه السلام :"أفضل العباد من طال عمره وحسن عمله" والملائكة صلوات الله عليهم أطول أعماراً وأحسنهم أعمالاً فوجب أن يكونوا أفضل العباد ولأنه عليه السلام قال :"الشيخ في قومه كالنبي في أمته" وهذا يقتضي أن يكونوا في البشر كالنبي في الأمة وذلك يوجب فضلهم على البشر. ولقائل أن يقول إن نوحاً عليه السلام وكذا لقمان وكذا الخضر كانوا أطول عمراً من محمد صلى الله عليه وسلّم فوجب أن يكونوا أفضل من محمد صلى الله عليه وسلّم وذلك باطل بالاتفاق فبطل ما قالوه وقد نجد في الأمة من هو أطول عمراً وأشد اجتهاداً من النبي صلى الله عليه وسلّم وهو منه أبعد في الدرجة من العرش إلى ما تحت الثرى. والتحقيق فيه ما بينا أن كثرة الثواب إنما تحصل لأمر يرجع إلى الدواعي والقصود فيجوز أن تكون الطاعة القليلة تقع من الإِنسان على وجه يستحق بها ثواباً كثيراً والطاعات الكثيرة تقع على وجه لا يستحق بها / إلا ثواباً قليلاً. ورابعها : أنهم أسبق السابقين في كل العبادات، لا خصلة من خصال الدين إلا وهم أئمة مقدمون فيها بل هم المنشئون العامرون لطرق الدين والسبق في العبادة تفضيل وتعظيم. أما أولاً فبالإِجماع. وأما ثانياً فلقوله تعالى :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧


الصفحة التالية
Icon