﴿أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآاـاِنُ اللَّهِ﴾ هذا يذل على اعترافه بأنه غير قادر على كل المقدروات وقوله :﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ يدل على اعترافه بأنه غير عالم بكل المعلومات ثم قوله :﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ ﴾ معناه والله أعلم وكما لا أدعي القدرة على كل المقدورات والعلم بكل المعلومات فكذلك لا أدعي قدرة مثل قدرة الملك ولا علماً مثل علومهم الثالث : قوله :﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ ﴾ لم يرد به نفي الصورة لأنه لا يفيد الغرض وإنما نفى أن يكون له مثل ما لهم من الصفات وهذا يكفي في صدقه أن لا يكون له مثل ما لهم ولا تكون صفاته مساوية لصفاتهم من كل الوجوه ولا دلالة فيه على وقوع التفاوت في كل الصفات فإن عدم الاستواء في الكل غير، وحصول الاختلاف في الكل غير. وعاشرها : قوله تعالى :﴿مَا هَـاذَا بَشَرًا إِنْ هَـاذَآ إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (يوسف : ٣١). فإن قيل لم لا يجوز أن يكون المراد وقوع التشبيه في الصورة والجمال. قلنا : الأولى أن يكون التشبيه واقعاً في السيرة لا في الصورة لأنه قال :﴿إِنْ هَـاذَآ إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ فشبهه بالملك الكريم والملك إنما يكون كريماتً بسيرته المرضية لا بمجرد صورته فثبت أن المراد تشبيهه بالملك في نفي دواعي البشر من الشهوة والحرص على طلب المشتهى وإثبات ضد ذلك وهي حالة الملك وهي غض البصر وقمع النفس عن الميل إلى المحرمات، فدلت هذه الآية على إجماع العقلاء من الرجال والنساء، والمؤمن والكافر، على اختصاص الملائكة بدرجة فائقة على درجة البشر. ولقائل أن يقول : أن قول المرأة ﴿فَذَالِكُنَّ الَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيه ﴾ (يوسف : ٣٢) كالصريح في أن مراد النساء بقولهن :﴿إِنْ هَـاذَآ إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ تعظيم حال يوسف في الحسن والجمال لا في السيرة، لأن ظهور عذرها في شدة عشقها، إنما يحصل بسبب فرط يوسف في الجمال لا بسبب فرط زهده وورعه. فإن ذلك لا يناسب شدة عشقها له. سلمنا أن المراد تشبيه يوسف عليه السلام بالملك في الإِعراض عن المشتهيات، فلم قلت يجب أن يكون يوسف عليه / السلام أقل ثواباً من الملائكة ؟
وذلك لأنه لا نزاع في أن عدم التفات البشر إلى المطاعم والمناكح أقل من عدم التفات الملائكة إلى هذه الأشياء، لكن لم قلتم إن ذلك يوجب بالمزيد في الفضل بمعنى كثرة الثواب ؟
فإن تمسكوا بأن كل من كان أقل معصية وجب أن يكون أفضل، فقد سبق الكلام عليه. الحجة الحادية عشرة : قوله تعالى :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧
﴿وَفَضَّلْنَـاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا﴾ (الإسراء : ٧٠) ومخلوقات الله تعالى إما المكلفون أو من عداهم ولا شك أن المكلفين أفضل من غيرهم، أما المكلفون فهم أربعة أنواع الملائكة والإِنس والجن الشياطين. ولا شك أن الإِنس أفضل من الجن والشياطين، فلو كان أفضل من الملك أيضاً لزم حينئذٍ أن يكون البشر أفضل من كل المخلوقات، وحينئذٍ لا يبقى لقوله تعالى :﴿وَفَضَّلْنَـاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا﴾ (الإِسراء : ٧٠) فائدة : بل كان ينبغي أن يقال وفضلناهم على جميع من خلقنا تفضيلاً، ولما لم يقل ذلك علمنا أن الملك أفضل من البشر، ولقائل أن يقول حاصل هذا الكلام تمسك بدليل الخطاب، لأن التصريح بأنه أفضل من كثير من المخلوقات لا يدل على أنه ليس أفضل من الباقي إلا بواسطة دليل الخطاب، وأيضاً فهب أن جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم ولكن لا يلزم من كون أحد المجموعين أفضل من المجموع الثاني أن يكون كل واحد من أفراد المجموع الأول أفضل من المجموع الثاني، فإنا إذا قدرنا عشرة من العبيد كل واحد منهم يساوي مائة دينار، وعشرة أخرى حصل فيهم عبد يساوي مائتي دينار والتسعة الباقية يساوي كل واحد منهم ديناراً. فالمجموع الأول أفضل من المجموع الثاني، إلا أنه حصل في المجموع الثاني واحد هو أفضل من كل واحد من آحاد المجموع الأول، فكذا ههنا وأيضاً فقوله :﴿وَفَضَّلْنَـاهُمْ﴾ يجوز أن يكون المراد، وفضلناهم في الكرامة التي ذكرناها في أول الآية وهي قوله :﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءَادَمَ﴾ ويكون المراد من الكرامة حسن الصورة ومزيد الذكاء والقدرة على الأعمال العجيبة والمبالغة في النظافة والطهارة، وإذا كان كذلك فنحن نسلم أن الملك أزيد من البشر في هذه الأمور ولكن لم قلتم أن الملك أكثر ثواباً من البشر، وأيضاً فقوله :﴿خَلَقَ السَّمَـاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ (لقمان : ١٠) لا يقتضي أن يكون هناك عمد غير مرئي وكذلك قوله تعالى :﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَـاهًا ءَاخَرَ لا بُرْهَـانَ لَه بِه ﴾ (المؤمنون : ١١٧) يقتضي أن يكون هناك إله آخر له برهان فكذلك ههنا، الحجة الثانية عشرة : الأنبياء عليهم السلام ما استغفروا لأحد إلا بدأوا بالاستغفار لأنفسهم ثم بعد ذلك لغيرهم من المؤمنين، قال آدم :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧


الصفحة التالية
Icon