﴿ى دَاوُادُ إِنَّا جَعَلْنَـاكَ خَلِيفَةً فِى الارْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (ص : ٢٦) ومعلوم أن أعلى الناس منصباً عند الملك من كان قائماً مقامه في الولاية والتصرف، وكان خليفة له فهذا يدل على أن آدم عليه السلام كان أشرف الخلائق وهذا متأكد بقوله :﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِى الارْضِ﴾ (الجاثية : ١٢) ثم أكد هذا التعميم بقوله :﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارْضِ جَمِيعًا﴾ (البقرة : ٢٩) فبلغ آدم في منصب الخلافة إلى أعلى الدرجات فالدنيا خلقت متعة لبقائه والآخرة مملكة لجزائه وصارت الشياطين معلونين بسبب التكبر عليه والجن رعيته والملائكة في طاعته وسجوده والتواضع له ثم صار بعضهم حافظين له ولذريته وبعضهم منزلين لرزقه وبعضهم مستغفرين لزلاته ثم إنه سبحانه وتعالى يقول مع هذه المناصب العالية :﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ فإذن لا غاية لهذا الكمال والجلال. وثالثها : أن آدم عليه السلام كان أعلم والعلم أفضل، أم إنه أعلم فلأنه تعالى لما طلب منهم علم الأسماء :﴿قَالُوا سُبْحَـانَكَ لا عِلْمَ لَنَآ إِلا مَا عَلَّمْتَنَآا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة : ٣٢) فعند ذلك قال الله تعالى :﴿قَالَ يَـا اَادَمُ أَنابِئْهُم بِأَسْمَآئِهِم فَلَمَّآ أَنابَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ﴾ وذلك يدل على أنه عليه السلام كان عالماً بما لم يكونوا عالمين به وأما أن الأعلم أفضل فلقوله تعالى :﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ورابعها : قوله تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ا ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَـالَمِينَ﴾ والعالم عبارة عن كل ما سوى الله تعالى وذلك لأن اشتقاق العالم على ما تقدم من العلم فكل ما كان علماً على الله ودالاً عليه فهو عالم ولا شك أن كل محدث فهو دليل على الله تعالى فكل محدث فهو عالم فقوله :﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ا ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَـالَمِينَ﴾ منعاه أن الله تعالى اصطفاهم على كل المخلوقات ولا شك أن الملائكة من المخلوقات / فهذه الآية تقتضي أن الله تعالى اصطفى هؤلاء الأنبياء على الملائكة. فإن قيل : يشكل هذا بقوله تعالى :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧
﴿يَـابَنِى إسرائيل اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَـالَمِينَ﴾ فإنه لا يلزم أن يكونوا أفضل من الملائكة ومن محمد صلى الله عليه وسلّم فكذا ههنا قال الله تعالى في حق مريم عليها السلام :﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَـاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَـاكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَـالَمِينَ﴾ (آل عمران : ٤٢) ولم يلزم كونها أفضل من فاطمة عليها السلام فكذا ههنا قلنا ؛ الإشكال مدفوع لأن قوله تعالى :﴿وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَـالَمِينَ﴾ خطاب مع الأنبياء الذين كانوا أسلاف اليهود وحين ما كانوا موجودين لم يكن محمد موجوداً في ذلك الزمان ولما لم يكن موجوداً لم يكن من العالمين لأن المعدوم لا يكون من العالمين وإذا كان كذلك لم يلزم من اصطفاء الله تعالى إياهم على العالمين في ذلك الوقت أن يكونوا أفضل من محمد صلى الله عليه وسلّم وأما جبريل عليه السلام فإنه كان موجوداً حين قال الله تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ا ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَـالَمِينَ﴾ فلزم أن يكون قد اصطفى الله تعالى هؤلاء على جبريل عليه السلام وأيضاً فهب أن تلك الآية قد دخلها التخصيص لقيام الدلالة وههنا فلا دليل يوجب ترك الظاهر فوجب إجراؤه على ظاهره في العموم. وخامسها : قوله تعالى :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَـالَمِينَ﴾ والملائكة من جملة العالمين فكان محمد عليه السلام رحمة لهم فوجب أن يكون محمد أفضل منهم. وسادسها : أن عبادة البشر أشق فوجب أن يكونوا أفضل وإنما قلنا إنها أشق لوجوه : الأول : أن الآدمي له شهوة داعية إلى المعصية والملك ليست له هذه الشهوة والفعل مع المعارض القوى أشد منه بدون المعارض فإن قيل الملائكة لهم شهوة تدعوهم إلى المعصية وهي شهوة الرياسة قلنا هب أن الأمر كذلك لكن البشر لهم أنواع كثيرة من الشهوات مثل شهوة البطن والفرج والرياسة والملك ليس له من تلك الشهوات إلا شهوة واحدة وهي شهوة الرياسة والمبتلى بأنواع كثيرة من الشهوات تكون الطاعة عليه أشق من المبتلى بشهوة واحدة. الثاني : أن الملائكة لا يعملون إلا بالنص لقوله تعالى :﴿لا عِلْمَ لَنَآ إِلا مَا عَلَّمْتَنَآ ﴾ (البقرة : ٣٢) وقال :﴿لا يَسْبِقُونَه بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِه يَعْمَلُونَ﴾ (
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧


الصفحة التالية
Icon