المسألة الأولى : اختلفوا في أن قوله ﴿اسْكُنْ﴾ أمرتكليف أو إباحة فالمروي عن قتاده أنه قال : إن الله تعالى ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود وذلك لأنه كلفه بأن يكون في الجنة يأكل منها حيث شاء ونهاه عن شجرة واحدة إن يأكل منها فما زالت به البلايا حتى وقع فيم نهى عنه فبدت سوأته عند ذلك وأهبط من الجنة وأسكن موضعاً يحصل فيه ما يكون مشتهى له مع أن منعه من تناوله من أشد التكاليف. وقال آخرون : إن ذلك إباحة لأن الاستقرار في المواضع الطيبة النزهة التي يتمتع فيها يدخل تحت التعبد كما أن أكل الطيبات لا يدخل تحت التعبد ولا يكون قوله :﴿كُلُوا مِن طَيِّبَـاتِ مَا رَزَقْنَـاكُمْ ﴾ (الأعراف : ١٦) أمراً وتكليفاً بل إباحة، والأصح أن ذلك الإسكان مشتمل على ما هو إباحة، وعلى ما هو تكليف، أما الإباحة فهو أنه عليه الصلاة والسلام كان مأذوناً في الانتفاع بجميع نعم الجنة، وأما التكليف فهو أن المنهى عنه كان حاضراً وهو كان ممنوعاً عن تناوله، قال بعضهم : لو قال رجل لغيره أسكنتك داري لا تصير الدار ملكاً له، فههنا لم يقل الله تعالى : وهبت منك الجنة بل قال أسكنتك الجنة وإنما لم يقل ذلك لأنه خلقه لخلافة الأرض فكان إسكان الجنة كالتقدمة على ذلك.
المسألة الثانية : أن الله تعالى لما أمر الكل بالسجود لآدم وأبى إبليس السجود صيره الله ملعوناً ثم أمر آدم بأن يسكنها مع زوجته. واختلفوا في الوقت الذي خلقت زوجته فيه، فذكر السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة أن الله تعالى لما أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة فبقي فيها وحده وما كان معه من يستأنس به فألقى الله تعالى عليه النوم ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر ووضع مكانه لحماً وخلق حواء منه، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة فسألها من أنت ؟
قالت : امرأة. قال : ولم خلقت ؟
قالت : لتسكن إليّ، فقالت الملائكة :/ ما اسمها ؟
قالوا : حواء، ولم سميت حواء، قال : لأنها خلقت من شيء حي، وعن عمر وابن عباس رضي الله عنهما قال : بعث الله جنداً من الملائكة فحملوا آدم وحواء عليهما السلام على سرير من ذهب كما تحمل الملوك ولباسهما النور على كل واحد منهما إكليل من ذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ وعلى آدم منطقة مكللة بالدر والياقوت حتى أدخلا الجنة. فهذا الخبر يدل على أن حواء خلقت قبل إدخال آدم الجنة والخبر الأول يدل على أنها خلقت في الجنة والله أعلم بالحقيقة.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧
المسألة الثالثة : أجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة وفي سائر القرآن ما يدل على ذلك وأنها مخلوقة منه كما قال الله تعالى في سورة النساء :﴿الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (النساء : ١) وفي الأعراف :﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾ (الأعراف : ١٨٩)، وروى الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال :"إن المرأة خلقت من ضلع الرجل فإن أردت أن تقيمها كسرتها وإن تركتها انتفعت بها واستقامت".
المسألة الرابعة : اختلفوا في الجنة المذكورة في هذه الآية، هل كانت في الأرض أو في السماء ؟
وبتقدير أنها كانت في السماء فهل هي الجنة التي هي دار الثواب أو جنة الخلد أو جنة أخرى ؟
فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني : هذه الجنة كانت في الأرض، وحملا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى قعة كما في قوله تعالى :﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ (البقرة : ٦١) واحتجا عليه بوجوه أحدها : أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد ولو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله :﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ﴾ (طه : ١٢٠)، ولما صح قوله :﴿مَا نَهَـاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـاذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَـالِدِينَ﴾ (الأعراف : ٢٠). وثانيها : أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى :﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (الحجر : ٤٨). وثالثها : أن إبليس لما امتنع عن السجود لعن فما كان يقدر مع غضب الله على أن يصل إلى جنة الخلد. ورابعها : أن الجنة التي هي دار الثواب لا يفنى نعيمها لقوله تعالى :﴿أُكُلُهَا دَآاـاِمٌ وَظِلُّهَا ﴾ (الرعد : ٣٥) ولقوله تعالى :﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِى الْجَنَّةِ خَـالِدِينَ فِيهَا﴾ إلى أن قال :﴿عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (هود : ١٠٨) أي غير مقطوع، فهذه الجنة لو كانت هي التي دخلها آدم عليه السلام لما فنيت، لكنها تفنى لقوله تعالى :﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَه ﴾ (
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧