المسألة التاسعة : اتفقوا على أن المراد بقوله تعالى :﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّـالِمِينَ﴾ هو أنكما إن أكلتما فقد ظلمتما أنفسكما لأن الأكل من الشجرة ظلم الغير، وقد يكون ظالماً بأن يظلم نفسه وبأن يظلم غيره، فظلم النفس أعم وأعظم. ثم اختلف الناس ههنا على ثلاثة أقوال : الأول : قول الحشوية الذين قالوا : إنه أقدم على الكبيرة فلا جرم كان فعله ظلماً، الثاني : قوله المعتزلة الذين قالوا : إنه أقدم على الصغيرة ثم لهؤلاء قولان : أحدهما : قول أبي علي الجبائي وهو أنه ظلم نفسه بأن ألزمها ما يشق عليه من التوبة والتلافي، وثانيهما : قول أبي هاشم وهو أنه ظلم نفسه من حيث أحبط بعض ثوابه الحاصل فصار ذلك نقصاً فيما قد استحقه، الثالث : قول من ينكر صدور المعصية منهم مطلقاً وحمل هذا الظلم على أنه فعل ما الأولى له أن لا يفعله. ومثاله إنسان طلب الوزارة ثم إنه تركها واشتغل بالحياكة، فإنه يقال له : يا ظالم نفسه لم فعلت ذلك ؟
فإن قيل : هل يجوز وصف الأنبياء عليهم السلام بأنهم كانوا ظالمين أو بأنهم كانوا ظالمي أنفسهم ؟
والجواب أن الأولى أنه لا يطلق ذلك لما فيه من إيهام الذم.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧
قال صاحب الكشاف :﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَـانُ عَنْهَا﴾ تحقيقه، فأصدر الشيطان زلتهما عنها ولفظة ﴿عَنْ﴾ في هذه الآية كهي في قوله تعالى :﴿وَمَا فَعَلْتُه عَنْ أَمْرِى ﴾ (الكهف : ٨٢) قال القفال رحمه الله : هو من الزلل يكون الإنسان ثابت القدم على الشيء، فيزل عنه ويصير متحولاً عن ذلك الموضع، ومن قرأ فهو من الزوال عن المكان، وحكي عن أبي معاذ أنه قال : يقال أزلتك عن كذا / حتى زلت عنه وأزللتك حتى زللت ومعناهما واحد، أي : حولتك عنه، وقال بعض العلماء : أزلهما الشيطان أي استنزلهما، فهو من قولك زل في دينه إذا أخطأ وأزله غيره إذا سبب له ما يزل من أجله في دينه أو دنياه. واعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اختلف الناس في عصمة الأنبياء عليهم السلام وضبط القول فيه أن يقال : الاختلاف في هذا الباب يرجع إلى أقسام أربعة : أحدها : ما يقع في باب الاعتقاد، وثانيها : ما يقع في باب التبليغ، وثالثها : ما يقع في باب الأحكام والفتيا، ورابعها : ما يقع في أفعالهم وسيرتهم. أما اعتقادهم الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز عند أكثر الأمة. وقالت الفضيلية من الخوارج : إنهم قد وقعت منهم الذنوب، والذنب عندهم كفر وشرك، فلا جرم. قالوا بوقوع الكفر منهم، وأجازت الإمامية عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية.
أما النوع الثاني : وهو ما يتعلق بالتبليغ، فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب والتحريف، فيما يتعلق بالتبليغ، وإلا لارتفع الوثوق بالأداء، واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمداً كما لا يجوز أيضاً سهواً، ومن الناس من جوز ذلك سهواً، قالوا : لأن الاحتراز عنه غير ممكن.
وأما النوع الثالث : وهو ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيه على سبيل التعمد، وأما على سبيل السهو فجوزه بعضهم وأباه آخرون.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧


الصفحة التالية
Icon