﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الاخْيَارِ﴾ (ص : ٤٧)، وهذا يتناول جميع الأفعال والتروك بدليل جواز الاستثناء فيقال : فلاناً من المصطفين الأخيار إلا في الفعلة الفلانية والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل تحته، فثبت أنهم كانوا أخياراً في كل الأمور، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. وقال :﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الملائكة رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ ﴾ (الحج : ٧٥)، ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ا ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَـالَمِينَ﴾ (آل عمران : ٣٣). وقال في إبراهيم :﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَـاهُ فِي الدُّنْيَا ﴾ (البقرة : ١٣٠). وقال في موسى :﴿إِنِّى اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَـالَـاتِي وَبِكَلَـامِي﴾ (الأعراف : ١٤٤). وقال :﴿وَاذْكُرْ عِبَـادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى الايْدِى وَالابْصَـارِ * إِنَّآ أَخْلَصْنَـاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الاخْيَارِ﴾ (ص : ٤٥ ـ ٤٧). فكل هذه الآيات دالة على كونهم موصوفين بالأصطفاء والخيرية، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. عاشرها : أنه تعالى حكى عن إبليس قوله :﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لاغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (ص : ٨٢ ـ ٨٣)، فاستثنى من جملة من يغويهم المخلصين وهم الأنبياء عليهم السلام. قال تعالى في صفة إبراهيم وإسحاق ويعقوب :﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَـاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ (ص : ٤٦) وقال في يوسف :﴿إِنَّه مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف : ٢٤)، وإذا ثبت وجوب العصمة في حق البعض ثبت وجوبها في حق الكل لأنه لا قائل بالفرق. والحادي عشر : قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّه فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سبأ : ٢٠)، فأولئك الذين ما اتبعوه وجب أن يقال : إنه ما صدر الذنب عنهم إلا فقد كانوا متبعين له، وإذا ثبت في ذلك الفريق أنهم ما أذنبوا فذلك الفريق إما الأنيباء أو غيرهم، فإن كانوا هم الأنبياء فقد ثبت في النبي أنه لا يذنب وإن كانوا غير الأنبياء فلو ثبت في الأنبياء أنهم أذنبوا لكانوا أقل درجة عند الله من ذلك الفريق، فيكون غير النبي أفضل من النبي، وذلك باطل بالاتفاق فثبت أن الذنب ما صدر عنهم. الثاني عشر : أنه تعالى قسم الخلق قسمين فقال :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧
﴿ أولئك حِزْبُ الشَّيْطَـانِا أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَـانِ هُمُ الْخَـاسِرُونَ﴾ وقال في الصنف الآخر، ﴿ أولئك حِزْبُ اللَّه أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (المجادلة : ٢٢) ولا شك أن حزب الشيطان هو الذي يفعل ما يرتضيه الشيطان، والذي يرتضيه الشيطان هو المعصية، فكل من عصى الله تعالى كان من حزب الشيطان، فلو صدرت المعصية من الرسول لصدق عليه أنه من حزب الشيطان ولصدق عليه أنه من الخاسرين ولصدق على زهاد الأمة أنهم من حزب الله وأنهم من المفلحين، فحينئذ يكون ذلك الواحد من الأمة أفضل بكثير عند الله من ذلك الرسول، وهذا لا يقوله مسلم. الثالث عشر : أن الرسول أفضل من الملك فوجب أن لايصدر الذنب من الرسول، وإنما قلنا أنه أفضل لقوله تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ا ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَـالَمِينَ﴾ (آل عمران : ٣٣)، ووجه الاستدلال به قد تقدم في مسألة فضل الملك على البشر وإنما قلنا إنه لما كان كذلك وجب أن لا يصدر الذنب عن الرسول لأنه تعالى وصف الملائكة بترك الذنب فقال :﴿لا يَسْبِقُونَه بِالْقَوْلِ﴾ (الأنبياء : ٢٧). وقال :﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم : ٦)، فلو صدرت المعصية عن الرسول لامتنع كونه أفضل من الملك لقوله تعالى :﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـالِحَـاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِى الارْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (ص : ٢٨).
الرابع عشر : روي أن خزيمة بن ثابت شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلّم على وفق دعواه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم :"كيف شهدت لي" فقال : يا رسول الله إني أصدقك على الوحي النازل عليك من فوق سبع سموات أفلا أصدقك في هذا القدر ؟
فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلّم / وسماه بذي الشهادتين ولو كانت المعصية جائزة على الأنبياء لما جازت تلك الشهادة.
الخامس عشر : قال في حق إبراهيم عليه السلام :﴿إِنِّى جَـاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ والإمام من يؤتم به فأوجب على كل الناس أن يأتموا به فلو صدر الذنب عنه لوجب عليهم أن يأتموا به في ذلك الذنب وذلك يفضي إلى التناقض.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧