﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ (الصافات : ٤٧). أما القول الثاني : وهو أنه عليه السلام فعله عامداً فههنا أربعة أقوال : أحدها : أن ذلك النهي كان نهي تنزيه لا نهي تحريم، وقد تقدم الكلام في هذا القول وعلته. الثاني : أنه كان ذلك عمداً من آدم عليه السلام وكان ذلك كبيرة مع أن آدم عليه السلام كان في ذلك الوقت نبياً، وقد عرفت فساد هذا القول. الثالث : أنه عليه السلام فعله عمداً، لكن كان معه من الوجل والفزع والأشفاق ما صير ذلك في حكم الصغيرة، وهذا القول أيضاً باطل بالدلائل المتقدمة لأن المقدم على ترك الواجب أو فعل المنهي عمداً وإن فعله مع الخوف إلا أنه يكون مع ذلك عاصياً مستحقاً للعن والذم والخلود في النار، ولا يصح وصف الأنبياء عليهم السلام بذلك، ولأنه تعالى وصفه بالنسيان في قوله :﴿فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَه عَزْمًا﴾ (طه : ١١٥)، وذلك ينافي العمدية. القول الرابع : وهو اختيار أكثر المعتزلة : أنه عليه السلام أقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه، وذلك لا يقتضي كون الذنب كبيرة، بيان الاجتهاد الخطأ أنه لما قيل له :﴿وَلا تَقْرَبَا هَـاذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فلفظ ﴿هَـاذِهِ﴾ قد يشار به إلى الشخص، وقد يشار به إلى النوع، وروي أنه عليه السلام أخذ حريراً وذهباً بيده وقال :"هذان حل لإناث أمتي حرام على ذكورهم"، وأراد به نوعهما، وروي أنه عليه الصلاة والسلام توضأ مرة مرة وقال :"هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به"، وأراد نوعه، فلما سمع آدم عليه السلام قوله تعالى :﴿وَلا تَقْرَبَا هَـاذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ (البقرة : ٣٥) (الأعراف : ١٩) ظن أن النهي إنما يتناول تلك الشجرة المعينة، فتركها وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع، إلا أنه كان مخطئاً في ذلك الاجتهاد لأن مراد الله تعالى من كلمة ﴿هَـاذِهِ﴾ كان النوع لا الشخص والاجتهاد في الفروع، إذا كان خطأ لا يوجب استحقاق العقاب واللعن لاحتمال كونه صغيرة مغفورة كما في شرعنا، فإن قيل : الكلام على هذا القول من وجوه : أحدها : أن كلمة ﴿هَـاذَا﴾ في أصل اللغة للإشارة إلى الشيء الحاضر. والشيء الحاضر لا يكون إلا شيئاً معيناً، فكلمة هذا في أصل اللغة للإشارة إلى الشيء / المعين فأما أن يراد بها الإشارة إلى النوع، فذاك على خلاف الأصل/ وأيضاً فلأنه تعالى لا تجوز الإشارة عليه فوجب أن يكون أمر بعض الملائكة بالإشارة إلى ذلك الشخص، فكان ما عداه خارجاً عن النهي لا محالة، إذا ثبت هذا فنقول : المجتهد مكلف بحمل اللفظ على حقيقته، فآدم عليه السلام لما حمل لفظ
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧