المسألة الخامسة : المستقر قد يكون بمعنى الاستقرار كقوله تعالى :﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَـاـاِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ (القيامة : ١٢)، وقد يكون بمعنى المكان الذي يستقر فيه كقوله تعالى :﴿أَصْحَـابُ الْجَنَّةِ يَوْمَـاـاِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا﴾ (الفرقان : ٢٤)، وقال تعالى :﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ﴾ (الأنعام : ٩٨) إذا عرفت هذا فنقول : الأكثرون حملوا قوله تعالى :﴿وَلَكُمْ فِى الارْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ (البقرة : ٣٦) (الأعراف : ٢٤)، على المكان، والمعنى أنها مستقركم حالتي الحياة والموت، وروى السدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : المستقر هو القبر، أي قبوركم تكونون فيها. والأول أولى لأنه تعالى قدر المتاع وذلك لا يليق إلا بحال الحياة، ولأنه تعالى خاطبهم بذلك عند الإهباط وذلك يقتضي حال الحياة، واعلم أنه تعالى قال في سورة الأعراف في هذه القصة :﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّا وَلَكُمْ فِى الارْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ (الأعراف : ٢٤، ٢٥)، فيجوز أن يكون قوله :﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ﴾، إلى آخر الكلام بياناً لقوله :﴿وَلَكُمْ فِى الارْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـاعٌ إِلَى حِينٍ﴾، ويجوز أن يكون زيادة على الأول.
المسألة السادسة : اختلفوا في معنى الحين بعد اتفاقهم على أنه اسم للزمان والأولى أن يراد به الممتد من الزمان لأن الرجل يقول لصاحبه : ما رأيتك منذ حين إذا بعدت مشاهدته له ولا يقال ذلك مع قرب المشاهدة، فلما كانت أعمار الناس طويلة وآجالهم عن أوائل حدوثهم متباعدة جاز أن يقول :﴿وَمَتَـاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ :
المسألة السابعة : اعلم أن في هذه الآيات تحذيراً عظيماً عن كل المعاصي من وجوه : أحدها : أن من تصور ما جرى على آدم عليه السلام بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة، كان على وجل شديد من المعاصي، قال الشاعر :
يا ناظراً يرنو بعيني راقد
ومشاهداً للأمر غير مشاهد
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجى
درك الجنان ونيل فوز العابد
أنسيت أن الله أخرج آدما
منها إلى الدنيا بذنب واحد
وعن فتح الموصلي أنه قال : كنا قوماً من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها، وثانيها : التحذير عن الاستكبار والحسد والحرص، عن قتادة في قوله تعالى :﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ (البقرة : ٣٤)، قال حسد عدو الله إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة فقال : أنا ناري وهذا طيني ثم ألقى الحرص في قلب آدم حتى حمله على ارتكاب المنهى عنه ثم ألقى الحسد في قلب قابيل حتى قتل هابيل. وثالثها : أنه سبحانه وتعالى بين العداوة الشديدة بين ذرية آدم وإبليس، وهذا تنبيه عظيم على وجوب الحذر.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧
المسألة الأولى : قال القفال : أصل التلقي هو التعرض للقاء ثم يوضع في موضع الاستقبال للشيء الجائي ثم يوضع موضع القبول والأخذ. قال الله تعالى :﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (النمل : ٦)، أي تلقنه. ويقال : تلقينا الحجاج أي استقبلناهم. ويقال : تلقيت هذه الكلمة من فلان أي أخذتها منه. وإذا كان هذا أصل الكلمة وكان من تلقى رجلاً فتلاقيا لقي كل واحد صاحبه فأضيف الاجتماع إليهما معاً صلح أن يشتركا في الوصف بذلك، فيقال : كل ما تلقيته فقد تلقاك فجاز أن يقال : تلقى آدم كلمات أي أخذها ووعاها واستقبلها بالقبول، وجاز أن يقال : تلقى كلمات بالرفع على معنى جاءته عن الله كلمات ومثله قوله :﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّـالِمِينَ﴾ (البقرة : ١٢٤) وفي قراءة ابن مسعود (الظالمون).
المسألة الثانية : اعلن أنه لا يجوز أن يكون المراد أن الله تعالى عرفه حقيقة التوبة لأن المكلف لا بد وأن يعرف ماهية التوبة ويتمكن بفعلها من تدارك الذنوب ويميزها عن غيرها فضلاً عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل يجب حمله على أحد الأمور. أحدها : التنبيه على المعصية الواقعة منه على وجه صار آدم عليه السلام عند ذلك من التائبين المنيبين. وثانيها : أنه تعالى عرفه وجوب التوبة وكونها مقبولة لا محالة على معنى أن من أذنب ذنباً صغيراً أو كبيراً ثم ندم على ما صنع وعزم على أن لا يعود فإني أتوب عليه. قال الله تعالى :﴿فَتَلَقَّى ا ءَادَمُ مِن رَّبِّه كَلِمَـاتٍ﴾، أي أخذها وقبلها وعمل بها. وثالثها : أنه تعالى ذكره بنعمه العظيمة عليه فصار ذلك من الدواعي القوية إلى التوبة. ورابعها : أنه تعالى علمه كلاماً لو حصلت التوبة معه لكان ذلك سبباً لكمال حال التوبة.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧


الصفحة التالية
Icon