المسألة السابعة : المراد من وصف الله تعالى بالتواب المبالغة في قبول التوبة وذلك من وجهين، الأول : أن واحداً من ملوك الدنيا متى جنى عليه إنسان ثم اعتذر إليه فإنه يقبل الاعتذار، ثم إذا عاد إلى الجناية وإلى الاعتذار مرة أخرى فإنه لا يقبله لأن طبعه يمنعه من قبول العذر، أما الله سبحانه وتعالى فإنه بخلاف ذلك/ فإنه إنما يقبل التوبة لا لأمر يرجع إلى رقة طبع أو جلب نفع أو دفع ضرر بل إنما يقبلها لمحض الإحسان والتفضل. فلو عصى المكلف كل ساعة ثم تاب وبقي على هذه الحالة العمر الطويل لكان الله تعالى يغفر له ما قد سلف ويقبل توبته، فصار تعالى مستحقاً للمبالغة في قبول التوبة فوصف بأنه تعالى تواب. الثاني : أن الذين يتوبون إلى الله تعالى فإنه يكثر عددهم فإذا قبل توبة الجميع استحق المبالغة في ذلك، ولما كان قبول التوبة مع إزالة العقاب يقتضي حصول الثواب وكان الثواب من جهته نعمة ورحمة وصف نفسه مع كونه تواباً بأنه رحيم.
المسألة الثامنة : في هذه الآية فوائد : إحداها : أنه لا بد وأن يكون العبد مشتغلاً بالتوبة في كل حين وأوان، لما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار، أما الأحاديث (أ) روي أن رجلاً سأل أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه عن الرجل يذنب ثم يستغفر ثم يذنب ثم يستغفر ثم يذنب ثم يستغفر فقال أمير المؤمنين : يستغفر أبداً حتى يكون الشيطان هو الخاسر فيقول لا طاقة لي معه، وقال علي : كلما قدرت أن تطرحه في ورطة وتتخلص منها فافعل. (ب) وروى أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : لم يصر من استغفر / وإن عاد في اليوم سبعين مرة. (ج) وعن ابن عمر قال عليه الصلاة والسلام : توبوا إلى ربكم فإني أتوب إليه في كل يوم مائة مرة. (د) وأبو هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام حين أنزل عليه :﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاقْرَبِينَ﴾ (الشعراء : ٢١٤) "يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغنى عنكم من الله شيئاً يا عباس بن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئاً يا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئاً يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت لا أغنى عنك من الله شيئاً" أخرجاه في الصحيح. (هـ) وقال عليه الصلاة والسلام :"إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم مائة مرة".
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧
واعلم أن الغين شيء يغشى القلب فيغطيه بعض التغطية وهو كالغيم الرقيق الذي يعرض في الجو فلا يحجب عن الشمس ولكن يمنع كمال ضوئها، ثم ذكروا لهذا الحديث تأويلات أحدها : أن الله تعالى أطلع نبيه على ما يكون في أمته من بعده من الخلاف وما يصيبهم فكان إذا ذكر ذلك وجد غيماً في قلبه فاستغفر لأمته. وثانيها : أنه عليه الصلاة والسلام كان ينتقل من حالة إلى حالة أرفع من الأولى، فكان الاستغفار لذلك. وثالثها : أن الغيم عبارة عن السكر الذي كان يلحقه في طريق المحبة حتى يصير فانياً عن نفسه بالكلية، فإذا عاد إلى الصحو كان الاستغفار من ذلك الصحو وهو تأويل أرباب الحقيقة، ورابعها : وهو تأويل أهل الظاهر أن القلب لا ينفك عن الخطرات والخواطر والشهوات وأنواع الميل والإرادات فكان يستعين بالرب تعالى في دفع تلك الخواطر (و) أبو هريرة قال : قال عمر رضي الله عنه في قوله تعالى :﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ (التحريم : ٨) إنه هو الرجل يعمل الذنب ثم يتوب ولا يريد أن يعمل به ولا يعود، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : هو أن يهجر الذنب ويعزم على أن لا يعود إليه أبداً. (ز) قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم حاكياً عن الله تعالى : يقول لملائكته :"إذا هم عبدي بالحسنة فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها بعشر أمثالها وإذا هم بالسيئة فعملها فاكتبوها سيئة واحدة فإن تركها فاكتبوها له حسنة" رواه مسلم. (ح) روي أن جبريل عليه السلام سمع إبراهيم عليه السلام وهو يقول : يا كريم العفو، فقال جبريل : أو تدري ما كريم العفو ؟
فقال : لا يا جبريل. قال : أن يعفو عن السيئة ويكتبها حسنة. (ط) أبو هريرة عنه عليه الصلاة والسلام :"من استفتح أول نهاره بالخير وختمه بالخير قال الله تعالى للملائكة لا تكتبوا على عبدي ما بين ذلك من الذنوب".
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧