المسألة الرابعة : أنه تعالى بين أن من اتبع هداه بحقه علماً وعملاً بالإقدام على ما يلزم والاحجام عما يحرم فإنه يصير إلى حال لا خوف فيها ولا حزن، وهذه الجملة مع اختصارها تجمع شيئاً كثيراً من المعاني لأن قوله :﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى﴾ (البقرة : ٣٨) (طه : ١٢٣) دخل فيه الإنعام بجميع الأدلة العقلية والشرعية وزيادات البيان وجميع ما لا يتم ذلك إلا به من العقل ووجوه التمكن، وجميع قوله :﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾ (البقرة : ٣٨) تأمل الأدلة بحقها والنظر فيها واستنتاج المعارف منها والعمل بها ويجمع ذلك كل التكاليف وجمع قوله :﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة : ٣٨) جميع ما أعد الله تعالى لأولياءه لأن زوال الخوف يتضمن السلامة من جميع الآفات وزوال الحزن يقتضي الوصول إلى كل اللذات والمرادات وقدم عدم الخوف على عدم الحزن لأن زوال ما لا ينبغي مقدم على طلب ما ينبغي/ وهذا يدل على أن المكلف الذي أطاع الله تعالى لا يلحقه خوف في القبر ولا عند البعث ولا عند حضور الموقف ولا عند تطاير الكتب ولا عند نصب الموازين ولا عند الصراط كما قال الله تعالى :﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاكْبَرُ وَتَتَلَقَّـاهُمُ الْمَلَـا اـاِكَةُ هَـاذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (الأنبياء : ١٠٣) وقال قوم من المتكلمين : إن أهوال القيامة كما تصل إلى الكفار والفساق تصل أيضاً إلى المؤمنين لقوله تعالى :﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾ (الحج : ٢) وأيضاً فإذا انكشفت تلك الأهوال وصاروا إلى الجنة ورضوان الله صار ما تقدم كأن لم يمكن، بل ربما كان زائداً في الالتذاذ بما يجده من / النعيم وهذا ضعيف لأن قوله :﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاكْبَرُ﴾ أخص من قوله :﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾ والخاص مقدم على العام. وقال ابن زيد : لا خوف عليهم أمامهم فليس شيء أعظم في صدر الذي يموت مما بعد الموت، فأمنهم الله تعالى منه. ثم سلاهم عن الدنيا فقال :﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلفوه بعد وفاتهم في الدنيا فإن قيل قوله :﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يقتضي نفي الخوف والحزن مطلقاً في الدنيا والآخرة وليس الأمر كذلك لأنهما حصلا في الدنيا للمؤمنين أكثر من حصولهما لغير المؤمنين، قال عليه الصلاة والسلام :"خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل"، وأيضاً فالمؤمن لا يمكنه القطع أنه أتى بالعبادات كما ينبغي فخوف التقصير حاصل وأيضاً فخوف سوء العاقبة حاصل، قلنا قرائن الكلام تدل على أن المراد نفيهما في الآخرة لا في الدنيا. ولذلك حكى الله عنهم أنهم قالوا حين دخلوا الجنة :﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَا إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر : ٤٣) أي أذهب عنا ما كنا فيه من الخوف والإشفاق في الدنيا من أن تفوتنا كرامة الله تعالى التي نلناها الآن.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧
المسألة الخامسة : قال القاضي : قوله تعالى :﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يدل على أمور. أحدها : أن الهدى قد يثبت ولا اهتداء فلذلك قال :﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾. وثانيها : بطلان القول بأن المعارف ضرورية، وثالثها : أن باتباع الهدى تستحق الجنة، ورابعها : إبطال التقليد لأن المقلد لا يكون متبعاً للهدى.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧
قوله تبارك وتعالى :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِاَايَـاتِنَآ أُوالَـا ئِكَ أَصْحَـابُ النَّارِا هُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ﴾ لما وعد الله متبع الهدى بالأمن من العذاب والحزن عقبه بذكر من أعد له العذاب الدائم فقال :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِاَايَـاتِنَآ﴾ سواء كانوا من الإنس أو من الجن فهم أصحاب العذاب الدائم.
وأما الكلام في أن العذاب هل يحسن أم لا وبتقدير حسنه فهل يحسن دائماً أم لا ؟
فقد تقدم الكلام فيه في تفسير قوله :﴿وَعَلَى ا أَبْصَـارِهِمْ غِشَـاوَةٌا وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة : ٧) وههنا آخر الآيات الدالة على النعم التي أنعم الله بها على جميع بني آدم وهي دالة على التوحيد من حيث إن هذه النعم أمور حادثة فلا بد لها من محدث وعلى النبوة من حيث إن محمداً صلى الله عليه وسلّم أخبر عنها موافقاً لما كان موجوداً في التوراة والإنجيل من غير تعلم ولا تلمذة لأحد قدر وعلى المعاد من حيث إن من قدر على خلق هذه الأشياء ابتداء على خلقها إعادة وبالله التوفيق.
القول في النعم الخاصة ببني إسرائيل