المسألة الرابعة :﴿الْمُبِينِ﴾ هو المشتمل على بيان ما بالناس حاجة إليه في دينهم ودنياهم، فوصفه بكونه مبيناً، وإن كانت حقيقة الإبانة لله تعالى، لأجل أن الإبانة حصلت به، كما قال تعالى :﴿إِنَّ هَـاذَا الْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَى ﴾ (النمل : ٧٦) وقال في آية أخرى ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (يوسف : ٣) وقال :﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَـانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِه يُشْرِكُونَ﴾ (الروم : ٣٥) فوصفه بالتكلم إذ كان غاية في الإبانة، فكأنه ذو لسان ينطق، والمعنى فيه المبالغة في وصفه بهذا المعنى.
المسألة الخامسة : اختلفوا في هذه الليلة المباركة، فقال الأكثرون : إنها ليلة القدر/ وقال عكرمة وطائفة آخرون : إنها ليلة البراءة، وهي ليلة النصف من شعبان أما الأولون فقد احتجوا على صحة قولهم بوجوه أولها : أنه تعالى قال :﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر : ١) وههنا قال :﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـاهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـارَكَةٍ ﴾ فوجب أن تكون هذه الليلة المباركة هي تلك المسماة بليلة القدر، لئلا يلزم التناقض وثانيها : أنه تعالى قال :﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ (البقرة : ١٨٥) فبيّن أن إنزال القرآن إنما وقع في شهر رمضان، وقال ههنا ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـاهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـارَكَةٍ ﴾ فوجب بأن تكون هذه الليلة واقعة في شهر رمضان، وكل من قال إن هذه الليلة المباركة واقعة في شهر رمضان، قال إنها ليلة القدر، فثبت أنها ليلة القدر وثالثها : أنه تعالى قال في صفة ليلة القدر ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَـا اـاِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَـامٌ هِىَ﴾ (القدر : ٤، ٥) وقال أيضاً ههنا ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وهذا مناسب لقوله ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَـا اـاِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ وههنا قال :﴿أَمْرًا مِّنْ عِندِنَآ ﴾ وقال في تلك الآية ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ وقال ههنا ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ﴾
جزء : ٢٧ رقم الصفحة : ٦٦٠


الصفحة التالية
Icon