القول الثاني : أن المراد من هذا العهد ما أثبته في الكتب المتقدمة من وصف محمد صلى الله عليه وسلّم وأنه سيبعثه على ما صرح بذلك في سورة المائدة بقوله :﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَـاقَ بَنِى إسرائيل ﴾ إلى قوله :﴿لاكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّـاَاتِكُمْ وَلادْخِلَنَّكُمْ جَنَّـاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانْهَـارُ ﴾ (المائدة : ١٢) وقال في سورة الأعراف :﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِى هَـاذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَا قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِه مَنْ أَشَآءُا وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍا فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَواةَ وَالَّذِينَ هُم بِـاَايَـاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف : ١٥٦) وأما عهد الله معهم فهو أن ينجز لهم ما وعدهم من وضع ما كان عليهم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقهم، وقال :﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَـاقَ النَّبِيِّـانَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَـابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ﴾ (آل عمران : ٨١) الآية. وقال :﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَـابَنِى إسرائيل إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاـاةِ وَمُبَشِّرَا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنا بَعْدِى اسْمُه ا أَحْمَدُا فَلَمَّا جَآءَهُم بِالْبَيِّنَـاتِ قَالُوا هَـاذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (الصف : ٦). وقال ابن عباس : إن الله تعالى كان عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبياً أمياً فمن تبعه وصدق بالنور الذي يأتي به ـ أي بالقرآن ـ غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين، أجراً باتباع ما جاء به موسى وجاءت به سائر أنبياء بني إسرائيل، وأجراً باتباع ما جاء به محمد النبي الأمي من ولد إسماعيل وتصديق هذا في قوله تعالى :﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَـاهُمُ الْكِتَـابَ مِن قَبْلِه هُم بِه يُؤْمِنُونَ﴾ (القصص : ٥٢) إلى قوله :﴿ أولئك يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا ﴾ (القصص : ٥٤) وكان علي بن عيسى يقول تصديق ذلك في قوله تعالى :﴿ يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَءَامِنُوا بِرَسُولِه يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِه ﴾ (الحديد : ٢٨) وتصديقه أيضاً فيما روى أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال :"ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بعيسى ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلّم فله أجران، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران، ورجل أطاع الله وأطاع سيده فله أجران" بقي ههنا سؤالان :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧
السؤال الأول : لو كان الأمر كما قلتم فكيف يجوز من جماعتهم جحده ؟
والجواب من وجهين : الأول : أن هذا العلم كان حاصلاً عند العلماء بكتبهم لكن لم يكن لهم العدد الكثير فجاز منهم كتمانه. الثاني : أن ذلك النص كان نصاً خفياً لا جلياً فجاز وقوع الشكوك والشبهات فيه.
السؤال الثاني : الشخص المبشر به في هذه الكتب إما أن يكون قد ذكر في هذه الكتب وقت خروجه ومكان خروجه وسائر التفاصيل المتعلقة بذلك أو لم يذكر شيء من ذلك، فإن كان ذلك النص نصاً جلياً وارداً في كتب منقولة إلى أهل العلم بالتواتر فكان يمتنع قدرتهم على الكتمان وكان يلزم أن يكون ذلك معلوماً بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين. وإن كان الثاني لم يدل ذلك النص على نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم لاحتمال أن يقولوا : إن ذلك المبشر به سيجيء بعد ذلك على ما هو قول جمهور اليهود. والجواب أن الذين حملوا قوله تعالى :﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ على الأمر بالتأمل في الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة على ما شرحناه في القول الأول إنما اختاروه لقوة هذا السؤال، فأما من أراد أن ينصر القول الثاني فإنه يجيب عنه بأن تعيين الزمان والمكان لم يكن منصوصاً عليه نصاً جلياً يعرفه كل أحد بل كان منصوصاً / عليه نصاً خفياً فلا جرم لم يلزم أن يعلم ذلك بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين عليهم السلام ولنذكر الآن بعض ما جاء في كتب الأنبياء المتقدمين من البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلّم، فالأول : جاء في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة أن هاجر لما غضبت عليها سارة تراءى لها ملك (من قبل) الله فقال لها يا هاجر أين تريدين ومن أين أقبلت ؟
قالت : أهرب من سيدتي سارة فقال لها : ارجعي إلى سيدتك واخفضي لها فإن الله سيكثر زرعك وذريتك وستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه إسماعيل من أجل أن الله سمع تبتلك وخشوعك وهو يكون عين الناس وتكون يده فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع وهو يشكر على رغم جميع إخوته.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧