أما قوله تعالى :﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ فقالت المعتزلة : ذلك العهد هو ما دل العقل عليه من أن الله تعالى يجب عليه إيصال الثواب إلى المطيع وصح وصف ذلك الوجوب بالعهد لأنه بحيث يجب الوفاء به فكان ذلك أوكد من العهد بالإيجاب بالنذر واليمين : وقال أصحابنا : إنه لا يجب للعبد على الله شيء، وفي هذه الآية ما يدل على ذلك لأنه تعالى لما قدم ذكر النعم، ثم رتب عليه الأمر بالوفاء بالعهد دل على أن تلك النعم السالفة توجب عهد العبودية، وإذا كان كذلك كان أداء العبادات أداء لما وجب بسبب النعم السالفة وأداء الواجب لا يكون سبباً لواجب آخر، فثبت أن أداء التكاليف لا يوجب الثواب فبطل قول المعتزلة بل التفسير الحق من وجهين : الأول : أنه تعالى لما وعد بالثواب وكل ما وعد به استحال أن لا يوجد، لأنه لو لم يوجد لانقلب خبره الصدق كذباً والكذب عليه محال، والمفضي إلى المحال محال فكان ذلك واجب الوقوع فكان ذلك آكد مما ثبت باليمين والنذر، الثاني : أن يقال العهد هو الأمر والعبد يجوز أن يكون مأموراً إلا أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مأموراً لكنه سبحانه وتعالى جرى في ذلك على موافقة اللفظ كقوله :﴿يُخَـادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَـادِعُهُمْ﴾ (النساء : ١٤٢)، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّه ﴾ (آل عمران : ٥٤) وأما قوله :﴿وَإِيَّـاىَ فَارْهَبُونِ﴾ فاعلم أن الرهبة هي الخوف قال المتكلمون : الخوف منه تعالى هو الخوف من عقابه وقد يقال في المكلف إنه خائف على وجهين : أحدهما : مع العلم والآخر مع الظن، أما العلم فإذا كان على يقين من أنه أتى بكل ما أمر به واحترز عن كل ما نهى عنه فإن خوفه إنما يكون عن المستقبل وعلى هذا نصف الملائكة والأنبياء عليهم السلام بالخوف والرهبة. قال تعالى :﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ (النحل : ٥٠) وأما الظن فإذا لم يقطع بأنه فعل المأمورات واحترز عن المنهيات فحينئذ يخاف أن لا يكون من أهل الثواب، واعلم أن كل من كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر وبالعكس. روى :"أنه ينادي مناد يوم القيامة وعزتي وجلالي إني لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين من أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة ومن خافني في الدنيا أمنته يوم / القيامة" وقال العارفون : الخوف خوفان خوف العقاب وخوف الجلال، والأول : نصيب أهل الظاهر، والثاني : نصيب أهل القلب، والأول : يزول، والثاني : لا يزول. واعلم أن في الآية دلالة على أن كثرة النعم تعظم المعصية، ودلالة على ما تقدم العهد يعظم المخالفة ودلالة على أن الرسول كما كان مبعوثاً إلى العرب كان مبعوثاً إلى بني إسرائيل. وقوله :﴿وَإِيَّـاىَ فَارْهَبُونِ﴾ يدل على أن المرء يجب أن لا يخاف أحداً إلا الله تعالى، وكما يجب ذلك في الخوف فكذا في الرجاء والأمل وذلك يدل على أن الكل بقضاء الله وقدره إذ لو كان العبد مستقلاً بالفعل لوجب أن يخاف منه كما يخاف من الله تعالى وحينئذ يبطل الحصر الذي دل عليه قوله تعالى :﴿وَإِيَّـاىَ فَارْهَبُونِ﴾ بل كان يجب أن لا يرهب إلا نفسه، لأن مفاتيح الثواب والعقاب بيده لا بيد الله تعالى فوجب أن لا يخاف إلا نفسه وأن لا يخاف إلا نفسه وأن لا يخاف الله ألبتة، وفيها دلالة على أنه يجب على المكلف أن يأتي بالطاعات للخوف والرجاء وأن ذلك لا بد منه في صحتها والله أعلم.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧
اعلم أن المخاطبين بقوله :﴿وَءَامِنُوا ﴾ هم بنوا اسرائيل ويدل عليه وجهان. الأول : أنه معطوف على قوله :﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ كأنه قيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي وآمنوا بما أنزلت. الثاني : أن قوله تعالى :﴿مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ﴾ يدل على ذلك.
أما قوله :﴿بِمَآ أَنزَلْتُ﴾ ففيه قولان، الأقوى أنه القرآن وعليه دليلان. أحدهما : أنه وصفه بكونه منزلاً وذلك هو القرآن لأنه تعالى قال :﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَـابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاـاةِ وَالانجِيلَ﴾ (آل عمران : ٣). والثاني : وصفه بكونه مصدقاً لما معهم من الكتب وذلك هو القرآن. وقال قتادة : المراد ﴿بِمَآ أَنزَلْتُ﴾ من كتاب ورسول تجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٢٧


الصفحة التالية
Icon